من داخل صعيد مصر، وتحديدًا في قرية «دلجا» التابعة لمركز ديرمواس بمحافظة المنيا، انتشر الحزن والذهول على الأهالي بعد مأساة إنسانية مروّعة راح ضحيتها خمسة أطفال أشقاء في أقل من أسبوع، في ظروف غامضة، دفعت الأهالي إلى الشك، والغضب، والرعب، بينما وُضعت الدولة في مواجهة أسئلة صعبة عن الشفافية، والتحرّك المتأخر.
بداية الكارثة: موت متسلسل وغامض
بدأت الحادثه يوم الخميس الماضي، حين سقط الطفل الأول من عائلة واحدة، وبعد ساعات توفي الثاني، لتتوالى الوفيات بشكل مأساوي حتى فُقد خمسة من الأشقاء، تراوحت أعمارهم بين عامين و12 عامًا، لكن الطفلة فرحة (14 عامًا) لا تزال في العناية المركزة، بين الحياة والموت.
روايات منتشره وتحقيقات لا تزال جارية
التحقيقات الرسمية لم تحسم السبب الحقيقي للوفاة حتي الآن، إذ تنتشر الروايات بين تسمم غذائي وشبهة جنائية، بينما استبعدت وزارة الصحة بشكل قاطع أن يكون السبب التهاب السحائي، مؤكدة أن مصر خالية من شكله البكتيري منذ عام 1989، وأرسلت الوزارة لجنة من الطب الوقائي لأخذ عينات من المياه، والهواء، والطعام، والدم، وسط توقعات بصدور النتائج خلال أيام.
الأهالي يتسائلون «أين الدولة؟»
الغضب الشعبي في دلجا لم يكن عاديًا، المشهد هناك يفوق وصف الحزن، إذ يعيش الأهالي حالة من الذعر والرعب، وسط صمت رسمي أُعتبر «استفزازيًا» من وجهة نظر العديد من الأهالي والناشطين، ويقول أحد أهالي القرية في منشور له: «خمسة أطفال يموتون بشكل متتالٍ، ولا مسؤول زارنا، ولا بيان يطمئن الناس؟! هل نحن مواطنون من الدرجة الثانية؟»، وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي حملات تضامن غاضبة.
وكانت من أخطر نتائج الحادثة، هو الشعور الشعبي بـ«غياب العدالة الصحية»، حيث عبّر العديد من السكان عن استيائهم من ضعف الاستجابة، سواء من وزارة الصحة أو من نواب البرلمان، الذين لم يظهر لهم أثر في الشارع أو الإعلام المحلي، ويقول أحد الأهالي: «الموت بياخد ولادنا واحد ورا التاني… والمستشفى بتقول مستنيين التحاليل! هو إحنا فئران تجارب؟!»، وعبرت آخري عن حزنها قائله: «قرية دلجا مش عايزة كلام جميل… عايزة وزير الصحة ييجي بنفسه يشوف الأطفال ماتوا ليه، ولا إحنا مش من خريطة الدولة؟».
ولم يتوقّف غضب أهالي دلجا عند حدّ الحزن، بل تحوّل إلى هجوم مباشر على الأطباء والمسؤولين الصحيين، متّهمينهم بالتقصير في التعامل مع الحالات منذ اللحظات الأولى قائلين: «دي فضيحه الطب في مصر ومش عارفين عندهم إيه»، وتسأل البعض: «أين وزارة الصحة ولزمتها إيه مدام السبب مجهول، إيه العبث دا؟»
وقال الكاتب الصحفي عصام الشريف رئيس تحرير موقع «الحرية»: «ما حدث في دلجا ليس حادثًا عابرًا.. إنه فشل رسمي في حماية أرواح أبرياء، والصمت عار، والحكومة هي من تتحمل المسؤولية السياسية عن الصمت الرسمي».
وأكمل: «البرلمان صامت وكأنه لا يرى، ونواب الدائرة غائبون تماما وكأن المأساة لا تخصهم، وكأن الذين ماتوا لا قيمة لهم ولا ثمن لحياتهم، وما يحدث هو صمت مخزٍ لا يليق بحجم الكارثة»، وتدهور المراكز الصحية سواء في قرية دلجا أو في كل قرى مركز ديرمواس تتحمل مسؤوليتها وزارة الصحة، وأيضا محافظ المنيا باعتباره رئيس جمهورية المحافظة.
وطالبت النائبة مها عبد الناصر، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، الحكومة والجهات المختصة كافة بضرورة إعلان نتائج التشريح وتحاليل معامل السموم في أسرع وقت ممكن، وتقديم بيان واضح وشفاف من الجهات المختصة، لتوضيح الحقيقة كاملة للرأي العام، سواء كان السبب مرضيًا، أو ناتجًا عن تسمم غذائي، أو أي عامل خارجي آخر.
كما طالبت وزارة الصحة والسكان بإصدار بيان تفصيلي عاجل يشرح طبيعة ما حدث، ويُطمئن المواطنين، ويقطع الطريق أمام الشائعات، لأن التأخر في تقديم المعلومات الدقيقة يزيد من قلق الأهالي، ويُفاقم الأزمة دون مبرر
وقال المحامي أحمد مهران: «حكاية تبدأ بعيل مريض، ثم يلحقه أخوه، ثم ثالث، فرابع حتى وصلت النهاية الأليمة اليوم، بوفاة الطفلة رحمة نصر وهي تبلغ من العمر 12 عامًا، داخل مركز السموم، لتصبح الضحية الخامسة من أبناء هذه الأسرة المكلومة»، متسائلًا: من الذي قتل الأطفال الـ5 أشقاء؟، «وهل تنتهي القصة هنا؟، وهل نكتفي بالبكاء على رحمة وإخوتها؟، وهل يمر هذا المشهد المرعب كما مرّت آلاف الجرائم الصامتة من قبل؟ أم أن هناك من سيُحاسب، ومن سيصرخ بالحقيقة، ولو تأخرت؟، ما حدث في دلجا ليس مجرد حادث مأسوي، وناقوس خطر يدق في قلب كل بيت مصري ولابد أن نعرف الحقيقة ويحاسب المسئول أمام أعين الناس جميعا».
مأساة دلجا ليست مجرد حادث محلي، بل هي اختبار حقيقي للدولة في تعاملها مع القرى المُهمشة، وقضية صحة عامة يجب أن تُواجه بالصدق، والسرعة، والمكاشفة.
أما الآن، فلا تزال دلجا تنتظر جوابًا من السموم، ومن الدولة، ومن الضمير.






















