يدخل السوق العقاري المصري مرحلة جديدة من إعادة التنظيم والرقابة، مع تصاعد التحركات الحكومية لمراجعة موقف المشروعات العقارية ومتابعة التزام شركات التطوير بالتعاقدات والجداول الزمنية للتنفيذ والتسليم، في وقت يبرز فيه دور التكنولوجيا العقارية «PropTech» كأحد الأدوات المحتملة للانتقال من التعامل مع التعثر بعد وقوعه إلى اكتشاف مؤشرات الخطر مبكرًا.
وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجّه في أغسطس الماضي بتشكيل لجنة لمتابعة عدد من المشروعات العقارية في مختلف المحافظات، للتأكد من الالتزام بمواعيد التسليم واحترام العقود المبرمة مع المشترين واستكمال أعمال البنية الأساسية، مع محاسبة المخالفين.
وبالتوازي، بدأت الحكومة حصر المشروعات العقارية المتعثرة وتحديد أسباب التأخير، وما إذا كان التعثر ناتجًا عن تقاعس المطور أو ظروف خارجة عن إرادته، مع دراسة حلول مختلفة لاستكمال المشروعات المتوقفة والحفاظ على حقوق العملاء.
وكشفت بيانات منشورة خلال سبتمبر الجاري عن اتساع نطاق أعمال المتابعة الميدانية؛ إذ أفادت مصادر بوزارة الإسكان بمراجعة أكثر من 16 ألف مشروع، مع رصد مشكلات بدرجات مختلفة في نحو 500 إلى 600 مشروع، من بينها تأخيرات في التسليم أو تنفيذ بعض الأعمال والمراحل.
التعثر.. من أزمة فردية إلى ملف يحتاج بيانات
وتعيد هذه التطورات طرح سؤال أكثر ارتباطًا بمستقبل السوق: هل يمكن أن تظل عملية اكتشاف التعثر قائمة على الشكاوى والحصر الدوري، أم أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى منظومة رقمية قادرة على قراءة مؤشرات المشروع قبل وصوله إلى مرحلة التعثر الكامل؟.
فالمشكلة في كثير من الحالات لا تبدأ يوم توقف المشروع، وإنما قبل ذلك بفترة، من خلال مؤشرات يمكن قياسها ومتابعتها؛ مثل انخفاض معدلات التنفيذ مقارنة بالبرنامج الزمني، تأخر الأعمال، ضعف التدفقات النقدية، ارتفاع الالتزامات، أو عدم التناسب بين معدلات البيع والتنفيذ.
وهنا يمكن أن تلعب تكنولوجيا «PropTech» دورًا يتجاوز فكرة المنصات العقارية التقليدية، إلى بناء أنظمة رقمية تربط بيانات المشروع بمراحل التنفيذ الفعلية، ونسب الإنجاز، والجداول الزمنية، والموقف المالي، وشكاوى العملاء، بما يسمح بتكوين صورة أكثر وضوحًا عن موقف كل مشروع.
جيفيرا يعيد اختبار قدرة السوق على إدارة التعثر
وتأتي التطورات المتعلقة بمشروع «جيفيرا» التابع لشركة إنرشيا لتعيد ملف التعثر إلى واجهة النقاش، بعدما أفادت تقارير صحفية بمطالبات مالية مرتبطة بأقساط مستحقة على أرض المشروع، بالتزامن مع تحركات حكومية لدراسة حلول تضمن استمرار المشروع وحماية حقوق العملاء.
كما ظهرت تقارير حديثة تتحدث عن تدخل حكومي محتمل لإسناد المشروع إلى مطورين آخرين، إلا أن هذه المعلومات تحتاج إلى التعامل معها باعتبارها تقارير منسوبة إلى مصادر، لحين صدور تأكيد رسمي بشأن تفاصيل الإسناد.
والأهم هنا أن «جيفيرا» لا يجب أن يُنظر إليه باعتباره حالة منفردة، وإنما باعتباره مثالًا على السؤال الذي تواجهه السوق حاليًا: ماذا يحدث عندما تتأخر قدرة المطور عن الوفاء بالتزاماته؟ ومن يتدخل؟ وكيف يتم اكتشاف المشكلة مبكرًا؟ وما الآلية التي تضمن استمرار المشروع بدلًا من ترك العميل في انتظار سنوات؟
التكنولوجيا قد تنقل السوق من رد الفعل إلى الإنذار المبكر
والتحول المطلوب لا يعني فقط زيادة الرقابة، وإنما تطوير طريقة الرقابة نفسها، فوجود قاعدة بيانات موحدة للمشروعات يمكن أن يسمح بتصنيف المطورين والمشروعات وفق مؤشرات قابلة للقياس، وربط حجم المشروع بالملاءة المالية والقدرة التنفيذية وسجل التسليم، إلى جانب متابعة نسب الإنجاز بصورة دورية.
كما يمكن للأنظمة الرقمية أن توفر للمشتري معلومات أكثر وضوحًا عن موقف المشروع قبل اتخاذ قرار الشراء، بدلًا من الاعتماد بصورة أساسية على الحملات الإعلانية أو المعلومات التي يقدمها المطور.
وبذلك يصبح «الإنذار المبكر» أحد أهم تطبيقات التكنولوجيا في السوق العقارية؛ ليس بهدف معاقبة المطور، وإنما لاكتشاف الخلل في توقيت يسمح بالتدخل وإعادة الهيكلة أو إدخال شريك أو تعديل خطة التنفيذ قبل تفاقم المشكلة.
حماية العميل واستمرار المطور الجاد
التحدي الحقيقي أمام السوق العقارية المصرية خلال المرحلة المقبلة لا يتمثل فقط في زيادة الرقابة أو تشديد الإجراءات، وإنما في بناء منظومة تحقق توازنًا بين ثلاثة أطراف: العميل، والمطور، والدولة.
فالعميل يحتاج إلى ضمانات أكبر بشأن أمواله ومواعيد التسليم، بينما يحتاج المطور الجاد إلى بيئة تنظيمية واضحة تفرق بين التعثر الناتج عن ظروف استثنائية وبين التقاعس أو سوء الإدارة.
ومن هنا، فإن إدخال التكنولوجيا في عملية التنظيم يمكن أن يمثل خطوة مهمة نحو سوق أكثر شفافية، إذا تم توظيف البيانات بصورة صحيحة وربطها بالرقابة الفعلية على الأرض.
والجدير بالذكر، السوق العقاري القوي ليس بالضرورة ان لا يعرف التعثر، وإنما السوق التي تستطيع اكتشافه مبكرًا، وتحديد أسبابه، والتدخل في الوقت المناسب، وحماية حقوق المشتري، وفي الوقت نفسه الحفاظ على المشروعات القابلة للاستمرار والمطورين القادرين على التنفيذ.
وهنا قد تكون المرحلة المقبلة في السوق المصرية ليست فقط مرحلة حصر المتعثرين، وإنما مرحلة بناء منظومة إنذار مبكر رقمية تجعل التكنولوجيا جزءًا من أدوات الرقابة والحوكمة، وتدفع القطاع نحو نمو أسرع، ولكن بمزيد من البيانات والشفافية والانضباط.
أقرأ أيضا:الحكومة: إعداد مسودة مشروع قانون لتنظيم السوق العقارية.. وعقد جلسات حوارية لمناقشة المقترح





















