لم تعد التكنولوجيا في القطاع العقاري مجرد أدوات لإدارة المبيعات أو تسويق المشروعات، وإنما بدأت تقترب من قلب القرار الاستثماري نفسه؛ من اختيار الأرض وتحديد أفضل استخدام لها، إلى دراسة الجدوى والتصميم والتنفيذ، وحتى إدارة بيانات العملاء وقياس العائد على كل جنيه يتم إنفاقه على الحلول الرقمية.
وفي الوقت الذي تتسابق فيه الشركات العقارية على تبني الذكاء الاصطناعي والـPropTech، يظل السؤال الأهم: هل تمتلك السوق المصرية البنية التحتية والبيانات والكوادر القادرة على تحويل هذه التقنيات إلى عائد حقيقي؟ وهو ما ناقشه عدد من خبراء القطاع خلال ملتقى «PropTech ROI»، مؤكدين أن قيمة التكنولوجيا لا تقاس بمجرد استخدامها، وإنما بقدرتها على تحسين القرار وتقليل الهدر ورفع كفاءة التشغيل وتحقيق نتائج يمكن قياسها.
وانطلقت فعاليات ملتقى «PropTech ROI» في إتش كيو سبيسز (HQ Spaces) بالقاهرة الجديدة – التجمع الخامس، تحت شعار «تواصل.. ابتكر.. تحوّل»، بمشاركة عدد من قيادات وخبراء القطاع العقاري والمتخصصين في التكنولوجيا والتحول الرقمي، لمناقشة مستقبل الـPropTech ودور الذكاء الاصطناعي والبيانات في تطوير صناعة العقارات.
البيانات والبنية الرقمية.. الحلقة التي لا يمكن تجاهلها
وقال محمد خطاب، استشاري التطوير والتخطيط، إن تسريع التحول التكنولوجي في القطاع العقاري يبدأ من وجود بنية تحتية رقمية قوية ومصدر واضح وموثوق للبيانات العقارية.
وأوضح خطاب، أن هناك مستخدمين يمتلكون القدرة على التعامل مع التطبيقات والحلول التكنولوجية ودمجها في أعمالهم، إلا أن استمرار الإدارة أو التعامل معها بعقلية تقليدية قد يقلل من الاستفادة الحقيقية منها، وهو ما يجعل التوعية والتدريب عنصرين مهمين في عملية التحول.
وأشار محمد، إلى أن البيانات تمثل أحد أهم التحديات أمام تطور التكنولوجيا العقارية، موضحًا أن المستثمر أو المشتري في بعض الأسواق يستطيع الوصول إلى معلومات تفصيلية عن العقار، بما يساعده على إجراء البحث واتخاذ قراره بصورة أكثر وضوحًا.
واستشهد خطاب، بتجربة نظام الـMLS في الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أهمية الوصول إلى نموذج مناسب للسوق المصرية، خاصة مع استمرار الحديث خلال السنوات الماضية عن منصة مصر العقارية.
وأكد محمد، أن توفير مصدر موثوق ومتكامل للبيانات العقارية يمكن أن يمثل البنية الأساسية التي تُبنى عليها العديد من الحلول التكنولوجية، لأن التكنولوجيا تصبح أكثر فاعلية عندما تستند إلى بيانات دقيقة وقابلة للتحليل.
وفي السياق نفسه، أكد محمد السكراوي، منسق ملتقى «PropTech ROI»، أن القضية لا تتعلق بمجرد إدخال التكنولوجيا إلى الشركات، وإنما بقدرة هذه الشركات على معرفة العائد الذي تحصل عليه مقابل الإنفاق على كل حل تكنولوجي.
وأوضح السكراوي ، أن الشركة قبل شراء أي برنامج أو حل رقمي يجب أن تسأل: ماذا سيحقق هذا الحل؟ وما الذي سيوفره؟ وكيف سيساعد في تطوير العمليات واتخاذ القرار؟ مشددًا على أهمية مقارنة الحلول المتاحة وعدم افتراض أن أول حل يظهر أمام الشركة هو الأفضل.
وأشار محمد، إلى أن الـPropTech يقوم على عدة محاور، من بينها التكامل بين الأنظمة، وقياس العائد على الاستثمار، والاستدامة والتعلم، إلى جانب بناء مجتمع يضم المتخصصين ومقدمي الحلول والخبراء.
وأضاف السكراوي، أن الشركات قد تمتلك قواعد بيانات ومعلومات كبيرة، لكن التحدي يتمثل في مدى قدرتها على استغلال هذه البيانات وتحويلها إلى معلومات مفيدة تساعد الإدارة في اتخاذ قرارات أكثر كفاءة.
ولفت محمد، إلى أن تعدد الأنظمة داخل الشركة، مثل أنظمة التسويق والمبيعات والشؤون القانونية والمالية، دون وجود تكامل كافٍ بينها، قد يؤدي إلى تكرار الجهد والتكلفة وإهدار المعلومات، وهو ما يجعل قياس العائد من التكنولوجيا أكثر أهمية.
من الأرض إلى التصميم.. التكنولوجيا تدخل في صميم القرار الاستثماري
وقالت الدكتورة رشا حجاج، استشاري تطوير الأعمال والتسويق لعدد من الشركات العقارية، إن أدوات الـPropTech يمكن أن تتدخل في مختلف مراحل التطوير العقاري، بداية من شراء الأرض وتحليل السوق، مرورًا بدراسة الجدوى، وصولًا إلى التصميم والتنفيذ.
وأوضحت رشا، أن تقييم الأرض لا يجب أن يعتمد فقط على سعر الشراء أو الإيرادات المتوقعة، مشيرة إلى إمكانية استخدام نظم المعلومات الجغرافية «GIS» والبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي لتحليل الموقع والمنافسة والأسعار ومعدلات البيع والتحصيل.
وضربت حجاج، مثالًا بوجود أرض يبلغ سعرها ملياري جنيه، وأخرى يبلغ سعرها 2.5 مليار جنيه، مع توقع إيرادات أعلى للأرض الثانية، موضحة أن تحليل البيانات قد يكشف في المقابل أن الأرض الأرخص تتمتع بدورة بيع وتحصيل أسرع، وهو ما قد يجعلها أكثر كفاءة من الناحية الاستثمارية رغم انخفاض الإيرادات المتوقعة مقارنة بالأرض الأخرى.
وأضافت رشا، أن الأدوات التكنولوجية يمكن أن تساعد المطور في تحديد المنتج الأنسب للأرض، سواء كان فيلات أو تاون هاوس أو توين هاوس أو وحدات سكنية أو تجارية أو إدارية، إلى جانب اختبار سيناريوهات مختلفة للأسعار ومكونات المشروع قبل اتخاذ القرار.
وأشارت حجاج، إلى أن التكنولوجيا لا تتوقف عند مرحلة دراسة الجدوى، وإنما تمتد إلى التصميم، موضحة أن استخدام أنظمة مثل BIM يمكن أن يساعد في تحسين التصميم وتقليل الهدر، بينما تتيح النمذجة ثلاثية الأبعاد ورباعية الأبعاد وخماسية الأبعاد الربط بين التصميم والبرنامج الزمني والتكلفة.
ولفتت رشا، إلى أن هذا التكامل يصبح أكثر أهمية في ظل التغيرات المستمرة في أسعار مواد البناء، بما يسمح بربط التصميم بالتكلفة والجدول الزمني بصورة أكثر دقة.
وأوضحت حجاج، أن من أبرز التحديات التي تواجه الشركات وجود أنظمة رقمية منفصلة، مثل CRM وERP، دون التكامل الكامل بينها، وهو ما يعرف بـ«Digital Silos»، وقد يؤدي إلى فقدان جزء من القيمة التي تستهدف الشركة تحقيقها من استثماراتها التكنولوجية.
عبدالرحمن خليل: العقار يحتاج إلى «كوميونيتي» حقيقي وليس كيانات جديدة فقط
من جانبه، قال الدكتور عبدالرحمن خليل، مستشار التطوير والاستثمار وإدارة الأعمال، إن القطاع العقاري يحتاج إلى بناء «كوميونيتي» متكامل يجمع مختلف أطراف الصناعة، وليس مجرد إنشاء تجمعات أو كيانات جديدة دون تأثير ملموس على أرض الواقع.
وأوضح خليل، أن هذا المجتمع يجب أن يضم الجهات الحكومية والمطورين والاستشاريين والخبراء وشركات التكنولوجيا والشركات الناشئة ومقدمي الخدمات والشركات الأجنبية، بما يتيح تبادل الخبرات ووضع رؤية مشتركة للقضايا التي تواجه السوق.
وأشار عبدالرحمن، إلى عدد من الملفات التي تحتاج إلى مزيد من التنظيم والتطوير، من بينها الرقم القومي الموحد للعقار، وبيانات الملكية، وتنظيم مهنة الوساطة العقارية، إلى جانب رفع مستوى الاحترافية لدى العاملين بها.
ولفت خليل، إلى أن الوسيط غير المحترف قد يضر بصورة المهنة والمطورين والعملاء معًا، مؤكدًا أهمية وجود منظومة أكثر تنظيمًا واحترافية للوساطة العقارية.
وشدد عبدالرحمن، على ضرورة وجود رؤية واضحة وسرعة في اتخاذ القرار وقدرة على التعامل مع المتغيرات، إلى جانب أهمية أن يكون تناول الإعلام للقطاع العقاري موضوعيًا.
وأكد خليل، أن وجود مشروعات متأخرة أو مشكلات داخل السوق لا يعني بالضرورة أن القطاع بأكمله يعاني من مشكلة، داعيًا إلى تناول السلبيات بموضوعية بعيدًا عن التعميم أو تقديم صورة سلبية شاملة عن الصناعة.
محمد طاهر: ناطحات السحاب قد تكون من أنجح المشروعات بشرط التنفيذ الصحيح
وفي محور آخر من المناقشات، تحدث المهندس محمد طاهر، رئيس مجلس إدارة شركة النيل للتطوير العقاري، عن فرص مشروعات ناطحات السحاب في السوق، معتبرًا أن هذا النوع من المشروعات يمكن أن يكون من أنجح النماذج العقارية عند تنفيذه بصورة صحيحة.
وأوضح طاهر، أن المواقع شديدة التميز في مصر يمكن استغلالها لإقامة مبانٍ أيقونية تسهم في رفع قيمة المكان، بدلًا من توزيع عدد أكبر من المباني التقليدية على المساحة نفسها، مشيرًا إلى إمكانية الاستفادة من الارتفاعات لتحقيق رؤية أفضل واستغلال أكثر كفاءة للموقع.
وأكد محمد، أن الموقع يمثل العامل الأساسي في نجاح الاستثمار العقاري، موضحًا أن إنشاء ناطحات السحاب بطبيعته يرتبط بمواقع متميزة للغاية، وبالتالي فإن اختيار الأرض يمثل نقطة قوة رئيسية في المشروع.
وأشار طاهر، إلى أن تنفيذ الأبراج وناطحات السحاب ليس مهمة سهلة، وإنما يحتاج إلى أعمال هندسية وتنفيذية كبيرة وكفاءات متخصصة، موضحًا أن الوصول إلى منتج مختلف عن النمط السائد يحتاج إلى مطور لديه استعداد لتحمل التكلفة اللازمة لتنفيذ رؤيته.
واستشهد طاهر، بالتجربة العمرانية في دبي، مشيرًا إلى انتقال العديد من أنشطة الأعمال والمكاتب إلى الأبراج، وما توفره هذه البيئات من إطلالات مفتوحة وتصميمات مختلفة، خاصة للعاملين في المجالات التي تعتمد على الإبداع.
وأوضح محمد، أن هذه التجارب تمثل واقعًا يمكن دراسته والاستفادة منه، مؤكدًا أن مشروعات ناطحات السحاب يمكن أن تحقق نجاحًا كبيرًا إذا تم تنفيذها بالشكل الصحيح، مع تحمل التحديات والتكاليف المرتبطة بها.
ولفت طاهر، إلى أن شركته استعانت بكفاءات متخصصة لتنفيذ رؤيتها، مشيرًا إلى صعوبة جذب بعض الكفاءات للعمل في مصر، خاصة أن استقطاب أصحاب الخبرات القوية قد يتطلب تقديم مقابل تنافسي وبيئة عمل مناسبة.
وأكد محمد، أن التحدي لا يتمثل فقط في امتلاك رؤية مختلفة، وإنما في الاستعداد لدفع ثمن تنفيذها، موضحًا أن المشروعات غير النمطية تحتاج إلى استثمار حقيقي في الخبرات والتصميم والتنفيذ.
التكنولوجيا ليست هدفًا.. والعائد هو الاختبار الحقيقي
وتتقاطع رؤى المتحدثين في ملتقى «PropTech ROI» عند نقطة أساسية، وهي أن التحول الرقمي في القطاع العقاري لا يرتبط بعدد التطبيقات أو البرامج التي تستخدمها الشركات، وإنما بمدى قدرتها على توظيف هذه الأدوات في صناعة القرار.
فمن اختيار الأرض وتحليل الموقع والمنافسين، إلى دراسة الجدوى وتحديد المنتج، ثم التصميم والتنفيذ، وصولًا إلى التسويق والمبيعات وإدارة العملاء، أصبحت التكنولوجيا قادرة على الدخول في مراحل متعددة من دورة التطوير العقاري.
لكن تحقيق هذه الاستفادة يظل مرتبطًا بتوافر بنية رقمية قوية، وبيانات موثوقة، وأنظمة مترابطة، وكوادر قادرة على التعامل معها، إلى جانب قدرة الشركات على قياس العائد الفعلي من استثماراتها التكنولوجية.
وبينما تتجه الصناعة إلى مزيد من الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والبيانات والحلول الرقمية، يبقى التحدي الحقيقي أمام السوق المصرية هو الانتقال من استخدام التكنولوجيا لمجرد مواكبة الاتجاه العالمي، إلى توظيفها كأداة لتحسين القرارات، وتقليل الهدر، ورفع كفاءة التنفيذ، وتحقيق عائد يمكن قياسه.
أقرأ أيضا:عبدالرحمن خليل: القطاع العقاري يحتاج «كوميونيتي» متكاملا.. وكفى شيطنة للصناعة





















