تقرير- شهد أحمد الزاجلاوي
تخيل أن تقضي وقتا تلعب فيه لعبة الفيديو المفضلة لديك، تبحث عن نسخة مجانية أو رخيصة لنسخة لعبة عالية السعر، أو تبحث عن “سيرفر” يضم محترفين لتطوير مهاراتك في اللعب، بضغطة زر واحدة على رابط “ديسكورد”، قد لا تدخل مجرد غرفة دردشة، بل تقع في حفرة صُممت بدقة لتصطادك، بينما تحذر تقارير الـ FBI من ملايين التحميلات المشبوهة، هناك من يراقب تفاعلك خلف الشاشة، ينتظر اللحظة المناسبة ليتحول من زميل لعب إلى موجه أفكار.
لغة جديدة
يتتبع تقارير خاصة لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي، ضخ تنظيم “داعش” ما يزيد عن 500 مليون دولار في توجها الحديث وهو تمويل (كافة أشكال الإعلام الرقمي)، وتحت مظلة الإعلام الرقمي الحديث نجد ألعاب الفيديو والألعاب الإلكترونية في أولوية هذا التوجه، حيث مولت داعش تطوير نسخة جديدة من لعبة (GTA V) “جاتا” الشهيرة لتصبح تحاكي عمليات إرهابية قتالية داخل اللعبة، وفي غضون 3 أشهر فقط من عام 2025، رصدت التحقيقات الفيدرالية 3.2 مليون عملية تحميل لمحتويات مشبوهة كلفت قطاع شركات الألعاب خسائر بلغت 170 مليون دولار، بينما تشير تقارير “مشروع مكافحة التطرف CEP” إلى أن 80 % من محاولات الاستدراج الرقمي للشباب تبدأ الآن عبر تطبيقات الدردشة المشفرة، بعيدا عن الرقابة الأمنية.
(Discord) البيئة الآمنة للإرهابيين:
تضع جميع تطبيقات التواصل الاجتماعي رقابة آليه بواسطة خوزميات الذكاء الأصطناعي على كل أنواع المحتوى فيديو أو بوست أو صورة، ومؤخراً رفعت شركة “ميتا” التشفير على الرسائل الخاصة، أما عن”ديسكودر” (Discord) هو الغرفة المغلقة التي تدور فيها نقاشات مفتوحة دون إي نوع من أنواع الرقابة، وهذه الميزة جعلت المنصة تكسب ثقة المستخدمين، يعتبر للاعبين ورواد المنصة ديسكورد “يوتوبيا” تدمج بين اللعب والنقاش، ولكن بالنسبة للجماعات المتطرفة، هو المكان المناسب الذي يصعب رصده.
كيف يبدأ الاستقطاب؟
تبدأ الرحلة بإرسال “رابط دعوة” بسيط عبر غرفة دردشة مشفرة، ُتقدم كألعاب مجانية أو نسخ مقرصنة أُعيد تطويرها وبمجرد دخول اللاعب/ة الشاب/ة إلى “السيرفر”، يجد نفسه في عالم منظم بدقة.
تشير أيضاً تقارير FBI أن المحتوى المتطرف قد لا يظهر فوراً؛ بل أحد الأساليب المرصودة يتم استدراج الشاب عبر غرف دردشة عادية جداً لمناقشة استراتيجيات اللعب، ومن ثم يتم أنه اختياره بناءً على تفاعله وقدر استجابته وبعدها ينتقل إلى “غرف سرية” مشفرة، وداخل هذه الغرف، يتم استخدام “الإيموجي”ورموز خاصة ولغة لا تستطيع برامج الرقابة الآلية والخوارزميات فهمها، فتصبح غرفة الدردشة مكان مهيئ لبث الأفكار المتطرفة والموجه بطرق غير مباشرة بعيدا عن أعين والأهل، يوفر” ديسكورد” ميزات مثل “الأدوار” والرتب، وهو ما تستغله هذه الجماعات لإعطاء الشاب شعور بالتقدير والانتماء، ليتحول “صديقه في اللعب” تدريجياً إلى شخص يقنعه بأن العنف في اللعبة يجب أن يتحول إلى حقيقة.
ليست مجرد “تسلية”، بل تخطيط ممنهج، فالتوجه الجديد لتنظيم داعش هو تغير لغة خطاب والوسيلة الإعلامية، وسيلة مصممة لجيل “ذد” وجيل “ألفا”، وسيلة يقضي فيها هذه فئات عمرية شابة معظم وقتهم (ألعاب الفيديو) وبشكل غير مباشر وهادئ وتدريجياً ينكسر الحاجز النفسي تجاه العنف، عندما يمارس الشاب القتال من خلال لعبة لساعات، يصبح تقبل الأفكار المتطرفة أسهل لاعتياده على “المشهد الدموي” في اللعبة.
والاستقطاب ليس الهدف الوحيد فالتمويل الذاتي للتنظيم أحد أهم الغايات، حيث يجمع التنظيم أرباحاً من الإعلانات التي تُحمل مع الألعاب المجانية وعدد التحميلات، ومن ثم تستخدم هذه الأموال لتمويل منصاتها الإعلامية الخاصة، وبناء بيئة آمنه على المنصات المشفرة ومجتمع افتراضي معزول عن الواقع وتبدأ عملية غسل الدماغ.
إغلاق مواقع القرصنة التي استنزفت 170 مليون دولار لم يكن سوى شئ بسيط في معركة رقمية أوسع، فتواصل الأجهزة الأمنية مثل الـ FBI ملاحقة النطاقات الإلكترونية، وتظل “الغرف المغلقة” في ديسكورد والمنصات المشفرة مساحات خارجة عن السيطرة التقليدية، حيث تُعاد صياغة مفاهيم الترفيه لتصبحأدوات سياسية وأيديولوجية.
الأرقام التي كشفت عنها تقارير “مشروع مكافحة التطرف” (CEP) حول نسب الاستدراج، والميزانيات المليونية التي تضخها التنظيمات في “الإعلام الجديد”، تؤكد أننا أمام مشهد يتجاوز مجرد “لعبة إلكترونية”، فقد نجحت هذه الجماعات في بناء “يوتوبيا” افتراضية موازية، يتحول فيها اللاعب تدريجياً من مستخدم يبحث عن المتعة إلى جزء من منظومة معقدة تُدار من خلف الشاشات، يبقى السؤال قائماً حول قدرة القوانين الدولية على مواكبة سرعة “الأكواد” البرمجية التي تخترق العقول قبل الأجهزة.




















