لا يُذكر مولد الرسول، عليه الصلاة والسلام، إلا مقرونًا بقصيدة شوقي: الهمزية النبوية.
هذا الاقتران ليس وليد صدفة قدرية، فالآلاف قبل شوقي امتدحوا محمدًا، والآلاف من بعده مدحوه وسيمدحوه، إن العبقرية الإنسانية، مثل المغناطيس، تجذب إليها الشعر، ولو نظرت على سبيل المثال، قصائد المتنبي في مدح سيف الدولة، وقصائده التي كتبها “بغير مزاج” في مدح كافور الإخشيدي أولًا، ستجد أن حرارة مديحه الحمداني واضحة في متون قصائده، حتى فخره بذاته، إذ قال مثلا: “أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي“، حتى هذا الفخر ستجده أشد حرارة وتوهجًا وتجديدًا وتنوعًا وإباءً، من قصائده التي ألقاها في بلاط الإخشيدي، من تحت ضرسه.
المتنبي أحب سيف الدولة، وأكبر منه صفات الفروسية والشجاعة، فيما احتقر كافورًا فإذا بمدحه الأول حي، والثاني ميت.
الشاعر العبقري ينبغي بالضرورة أن يكون إنسانًا صادقًا، تتجلى مشاعره على ورقه، لا يخجل من “تنغيم مشاعره” في قوافيه، إن مشاعر الشاعر، ليست شأنًا ذاتيًا، وذبحته القلبية ليست شأنًا ذاتيًا، بل إن قلبه دائمًا ملقً في العراء، تمر به القوافل، والسرايا، وطوابير السبايا، والصعاليك.
عودًا على ذي بدء.. لماذا تتصدر قصيدة شوقي احتفالات المولد النبوي دون غيرها من قصائد الأولين والأخرين؟
نحن إزاء عبقري يمدح عبقريًا.
شوقي الذي حمل راية تجديد الشعر العربي، من البارودي، فإذا بخيوله “ترمح” في الميادين، فإذا بالشعر العربي يعرف القصائد الملحمية، على غرار قصيدة “أبوالهول”، وإذا بالمسرح الشعري يُستعرب للمرة الأولى في التاريخ، كل ذلك مع احتفاظ بهويته الأصيلة، فلا يغفل عن الحكم الإنسانية، التي شاعت على ألسنة العرب من الخليج إلى المحيط، على نحو: “قف للمعلمِ”.. وهنا تكفي الإشارة، فعقل القارئ الذي سيستدعي دون شك، تتمة البيت، إنما يبرهن على عبقرية المقولة والقائل.
شاعر هذا شأنه، يمدح رجلًا في قامة النبي.
بعيدًا عن الجانب الروحاني في القصيدة، انظر كيف مدح شوقي محمدًا رجل الدولة السياسي الحكيم؟
من ملامح عبقرية الرسول، أنه كان عليه الصلاة والسلام، أسس دولته المبكرة على قاعدة: “أمرهم شورى”، هذا تبدى جليًا، حين نزل إلى رأي الصحابي الجليل سلمان الفارسي، بحفر الخندق، يفعل ذلك وهو الذي يوحى إليه، ليس لعجز الوحي عن أن يأتيه بالقول الفصل، فيما يستجد من أمور الدنيا والدين، لكن لتأسيس مبدأ.. المبدأ والقانون إذن من معجزات هذا الرجل.
هذه عظمة النظام.. النظام الذي أقام محمدٌ والذين معه دعائمه، وهو ما لم يغب عن عبقرية شوقي، فإذا بالقصيدة تصير “وثيقة سياسية”، تبدأ بتأسيس الدولة على قواعد “علمية”، فالنبي هو إمام الاشتراكيين، الذي يقسم الثروات بالعدل، لا يحابي عمه حمزة، ولا يغبن قاتله “وحشي” بعدما دخل الإسلام.. “أَنصَفَت أَهلَ الفَقرِ مِن أَهلِ الغِنى، فَالكُلُّ في حَقِّ الحَياةِ سَواءُ“.
إنه العدل الذي تُرفع به البلاد إلى السماء، وإذا غاب تتدحرج إلى أسفل سافلين… “وَإِذا قَضَيتَ فَلا ارتِيابَ كَأَنَّما جاءَ الخُصومَ مِنَ السَماءِ قَضاءُ“، وهل ثمة عدل أعمق معنويًا من صدور أحكام القضاء، فلا يرتاب فيها مرتاب، ولا يطعن فيها طاعن؟
على أن هذا العدل، لم يخلُ من الرحمة، ثمة مساحة دائمًا لتعطيل حكم ما، بذريعة الرحمة، “وَإِذا رَحِمتَ فَأَنتَ أُمٌّ أَو أَبٌ هَذانِ في الدُنيا هُما الرُحَماءُ“، هكذا يجب أن يكون القائد، رحيمًا بشعبه، هذا هو النموذج الذي يحقق طمأنينة الإنسان والإنسانية، العدل بغير رحمة، قد يغدو قوة عمياء وغاشمة، الرحمة تسحب من يده السكين، تهمس في أذنه بصوتها الحنون: “واجع قلبي”، فيرق ويرتقي و”يتأنسن”.
والرحمة مع ذلك، ليست سذاجة، فالحاكم الصالح، ينبغي أن يشتد على الفاسدين، فلا تهاون مع فساد، بل غضبة عارمة، وهذه روح الرحمة، فليس من الرحمة أن تغض الطرف عن ظالم يجور على الأبرياء، بل إن الرحمة هي أن ترحم المجتمع من شره: وَإِذا غَضِبتَ فَإِنَّما هِيَ غَضبَةٌ في الحَقِّ لا ضِغنٌ وَلا بَغضاءُ“.
إن شوقي يمدح ما يمثله محمد، فيما يمدح شخص محمد، إنسانًا وأبًا وزوجًا وقائدًا وقدوة ونموذجًا، هذا أيضًا إلى جانب مدحه رسولًا.
الشاعر العبقري وقف على أن عبقرية النبي تكمن في أنه “رجل دولة”، وهو الأمر الذي يقرره العقاد، إذا يضيف إلى هذا المعنى قائلًا: “كان عظيم عظماء”، ذلك أن السماء هيأت لـ”النظام الجديد”، ثُلةً من النوابغ في كل المجالات، فمنهم رجل الأعمال، الاقتصادي الأريب، مثل سيدنا عثمان، ومنهم القائد العسكري الفذ، مثل خالد، ومنهم الوزير والسفير والخطيب وذو الحكمة.
إنها الأقدار بالطبع، لكن هناك أيضًا نظام رشيد، تفهم مواطن العبقرية في نفوس أولئك العظام، فوضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ولم يقل لأتباعه: “إياكم أن تسمعوا لغيري”، بل أنا وأنا النبي سأسمع إليكم، وسآخذ بحكم الديمقراطية.
اختزال كل ما سبق، من عبقرية الممدوح عليه الصلاة والسلام، أنه جاء بالإخلاق، تلك القوة الروحية السامية، التي مثلت أساس دعوته، فلا مكان للدروشة، ولا محل للمظاهر الفارغة.
إن الأخلاق بمعناها الشعبوي، لا العلمي، هي أعظم معجزات الله التي أودعها في الإنسان، ليس عليك إلا أن تتأمل، هل من كائن في الأرض غير بني آدم يملك وعيًا عميقًا حتى بدائيًا بمفهوم الأخلاق؟
إنه رسول الأخلاق الذي قال فيه شوقي: “يا مَن لَهُ الأَخلاقُ ما تَهوى العُلا مِنها وَما يَتَعَشَّقُ الكُبَراءُ/ لَو لَم تُقِم دينًا لَقامَت وَحدَها دينًا تُضيءُ بِنورِهِ الآناءُ”.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على الحبيب وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.





















