كان نجاحي في اختبارات وزارة الخارجية والتحاقي بها للعمل دبلوماسيًا بداية لانفتاح حقيقي على العالم، وخاصة فيما يتعلق بالجانب الثقافي، إذ وجدت نفسي أمام المتاح من الكتب كجائع في سوق لا نهاية له من الخبز، بعد أن كانت أقصى أمنياتي أن أجد في معارض الكتب السنوية ما يروي بعض ظمئي للمعرفة.
وقد اعتدت طوال حياتي على القراءة في كل فروع المعرفة، حيث كنت في مطلع شبابي أَهتم بالرياضيات والميكانيكا، خاصة بعد انضمامي كطالب في كلية الهندسة جامعة عين شمس، قبل انتقالي بعد عام دراسي للالتحاق بالكلية الحربية رغبةً في المشاركة في تحرير الأرض عندما اشتدت حرب الاستنزاف، وقد وجدت نفسي أقرأ بكثافة في العلوم العسكرية، وخاصة تاريخ المعارك في العالم ومذكرات كبار القادة.
لقد استمرت معي اهتماماتي الرياضية والعسكرية بعد التحاقي بوزارة الخارجية، لكن سفري للخارج أتاح لي بحرًا زاخرًا من الكتب في كل المجالات، وفي المقدمة كانت كتب السياسة والتاريخ والقانون الدولي والفلسفة وغيرها.
اقرأ أيضًا: معصوم مرزوق يكتب لـ الحرية: فجر آخر في نيويورك
وقد تواكب مع كل ما تقدم وَلَعي بالكتب الأدبية، خاصة وأنني حصلت على الجائزة الأولى أكثر من مرة في مسابقات القصة القصيرة، وقرأت تقريبًا لكل مشاهير الأدب في العالم، حتى أولئك الذين لم أسمع بهم من قبل بعد أن خدمت في أمريكا اللاتينية، وأتاح تعلّمي اللغة الإسبانية أن أغترف من أدب أمريكا الجنوبية الذي يضم العديد من الأسماء العظيمة التي تتفوّق على جابرييل جارثيا ماركيز وبابلو نيرودا، وقد ترجمت لبعضهم عندما كان لدي وقت وصحة.
ومن ضمن عادتي المرعية أنني لا أقرأ إلا وقلمي متحفّز أعلّق به على صفحات الكتب التي أقرؤها أو في أوراق منفصلة، وكم أحزنني ضياع الكثير منها.
وقد وجدت مؤخرًا دفترًا قديمًا في صندوق يحوي بعض الأوراق أثناء خدمتي في أمريكا اللاتينية، وكان الدفتر يحمل تاريخ عام 1984، وتضم صفحاته تعليقات وخواطر مختلفة، بعضها حول كتب كنت أقرؤها في تلك السنة، ومن بين الموضوعات التي كتبت عنها تعليقٌ على كتاب حول ما كتبه الأديب الفرنسي الشهير جوستاف فلوبير عن زيارته إلى مصر نهاية عام 1849 وحتى مايو 1850.
ورغم أنني كنت من المعجبين بالأديب الفرنسي، وقرأت أغلب أعماله التي تُرجمت إلى العربية وأبرزها مدام بوفاري التي استشهدت بها في أحد مقالاتي العاطفية زمن الصبا، إلا أنني صُدمت مما كتبه عن مصر، سواء في رسائله إلى أمه وأصدقائه أو في يومياته، إذ نقل صورة كئيبة عن شعب خامل وأوضاع اجتماعية مهينة.
ومن ذلك مثلًا أن الخديوي عباس ألغى بعد تنصيبه البغاء في القاهرة، فانتقل إلى الصعيد وانتشر لدرجة أن وصف فلوبير لزيارته إلى جنوب مصر امتلأ بالممارسات الجنسية التي قام بها تقريبًا في كل محافظة مرّ عليها، فضلًا عن صور تجارة العبيد الكئيبة التي كانت تصل بشكل منتظم من دارفور، وكانت لها مناطق تجمع مختلفة أبرزها أسيوط.
لقد كتبت تعليقًا هاجمت فيه فلوبير بشدة، مؤكدًا أنه لم يكن سوى ممثل للظاهرة الاستعمارية التي لم تكن ترى في الشرق (الأورينت) إلا مقاصد للاستغلال والنهب والنصب والمتع المحرّمة.
ورغم أنني قرأت كتب رحّالة آخرين لم تقل قسوةً على أوضاع مصر في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فإن غضبي من الأديب الفرنسي كان أشدّ، ربما لأنني كنت – مثل غيري – متأثرًا بالثقافة الفرنسية وقادة الفكر الثوري الفرنسي، وربما لأنني في شبابي المبكر تأثّرت للغاية بأدب فلوبير، وخاصة في رائعته مدام بوفاري، بحيث لم أكن أتخيّل أن كاتبًا رومانسيًا مثله يتجاهل طيبة ووداعة المصريين الذين كانوا يتسابقون لخدمته، لينظر فقط إلى النصف الخالي من الكوب.



















