في هجوم السابع من أكتوبر، شنت حركة حماس بالتعاون مع فصائل فلسطينية أخرى هجوما واسعا على جنوب إسرائيل، وقتل على أثره نحو 1200 إسرائيلي، وانتهى بواحدة من أفظع الحروب بشاعة في التاريخ.. شلالات لا نهاية لها من الدم الفلسطيني، ويوما بعد يوم، تتزايد جبال الجثث في غزة.. هذه الجبال من الجثث، والتي أغلبها من الأطفال، تذكرنا بأننا أمام أقذر وأحط كيان عرفه بنو البشر، فلو جلست هذه الدولة يوما بجوار الشيطان، فربما يتخيل المرء أن الشيطان نفسه سيتراجع قائلا: لا أريد الاقتراب من هؤلاء.
والسؤال: هل كانت هذه الهجمات عملا إرهابيا؟ وأعتقد أن هذا السؤال وحده، والذي أراه في حد ذاته مضللا ومضحكا، يرتقي بمستوى الصوابية السياسية التي تصيب البعض، على الأخص أولئك النخب، إلى مستوى غاية في العبث؛ إذ يجب أولا، وقبل الإجابة عليه، تحديد مبادئ مقبولة وتوافقية بشكل عام،
إسرائيل هي دولة استيطانية تمارس احتلالا عسكريا مستمرا، تفرض حصارا عسكريا خانقا على قطاع غزة، وتستمر في أنشطتها الإجرامية دون رادع، ويجب أن تصبح هذه الدولة تلقائيا وبالضرورة عدوا لهذا القطاع. ومن هذه النتيجة نفترض أن المسار بدأ قبل هذا الهجوم بسنوات طويلة من الاحتلال والحصار والاقتلاع والعنف، تراكمت خلاله طبقات من الغضب واليأس حتى بلغت نقطة الانفجار.
من الصعب اعتبار النظام العالمي القائم، والذي صمم خصيصا على نحو يحفظ مصالح قوى الاستعمار ويصون امتيازاتها، من الصعب اعتباره محايدا في هذا الصراع؛ ففي كثير من الأحيان، صيغت قوانينه كمنظومة تحيط إسرائيل بغطاء سياسي وقانوني واسع النطاق، جاعلا جميع حركات المقاومة والتحرير أهدافا حصرية لقوانينه، عن طريق حصارها بشبكة كثيفة من التعريفات والقواعد التي تجبرها باستمرار على لعب دور المتهم، رغم أنهم الطرف المعتدى عليه.
فلأنك تقبع تحت احتلال غاشم وتقاومه، ستوصم بطريقة آلية بكلمة واحدة، وهي الإرهاب. وهكذا تتحول جرائم إسرائيل المروعة والبشعة، والتي معظمها موجه ضد مدنيين وأطفال، إلى مكافحة الإرهاب، بينما تصنف المقاومة نفسها إرهابا.
لذا، إذا ما صادفك سوء الحظ بالعيش في هذه البقعة من العالم، يتوقع منك أن تتنازل طواعية عن جزء من أرضك للمستوطنين اليهود المساكين، طواعية، حالما يفرضون مطالبهم العدوانية، متى شاءوا، كشرط لاستمرارك في الحياة. لا تستطيع حتى تأمين طعامك وشرابك في ظل حصار خانق، وإلا ستوصم تلقائيا بالإرهاب حسب قوانين نظامهم العالمي المعيب والمشوه، بحجج بغيضة تتجاوز كل الحدود الإنسانية.
أما ما يحدث على جانبي الطيف السياسي العربي، لأصوات من المفترض أنها تعبر عن عدالة قضيتنا، من الوقوع في هذه الثنائية المجحفة، وهو اعتبار كلا الطرفين، إسرائيل والمقاومة، إرهابا، فهم يرتقون بنفس الصوابية إلى مراحل أكثر سخافة عندما تضع المعتدى والمعتدي عليه على قدم المساواة. ويجب أولا وقبل أي شيء التمييز بين من يرتكبون العنف ومن يدافعون عن أنفسهم ضده ويناضلون من أجل حقوقهم.
يجب أولا فهم الوجود الفلسطيني، بطبيعته، على أنه دفاع عن أرض وحقوق، سواء كان هذا الدفاع مباشرا أو، في ظل ظروف صراع، يأخذ أشكالا عنيفة مع عدو نشط عسكريا. فعندما يعيش شعب تحت نيران الاستعمار والتهجير وفقدان السيادة على أرضه، لا يمكن، بديهيا، للمحتل والمعتدي أن ينقلب فجأة بأي حال من الأحوال، بحيث يصبح ضحية. الاستعمار نفسه هو الجاني الوحيد في تهمة الإرهاب.. ويجب أيضا التمييز بين الأصل ورد الفعل، بين من يفرض واقعا بالقوة ومن يثور على واقع فرض عليه بطريقة عدوانية، وأيضا الحكم على الأفعال دون محو الظروف التي نشأت عنها من الذاكرة.
المقاومة، كأي مسعى بشري، شأنها شأن كل محاولة بشرية، لا تعرف نموذجا مثاليا، ولا يعرف نضالا خاليا من العيوب من أجل التحرر، وخاليا من العنف والخطأ والضعف والقصور البشري. لكن هذه الأخطاء لا تلغي مسؤولية المحتل والمعتدي، ولا تنفي حقوق المعتدى عليه في حقه في الدفاع وحماية أراضيه. وهذا ليس ادعاء، بل حقيقة تفندها حقائق التاريخ، بل حتى التاريخ الأمريكي نفسه في ثورته ضد التاج البريطاني منتصف القرن الثامن عشر، ومع هذا فقد أصبحت فيما بعد رمزا للنضال من أجل الحرية وتقرير المصير، مع الاعتذار بالطبع عن اعتبار هذا البلد الهجين المتناقض تاريخيا، والمثقل بجرائم التطهير العرقي وتاريخ طويل من شن حروب وتدخلات عسكرية في مناطق شتى من العالم، وارتبط سجلها بسلسلة طويلة من الحروب العدوانية والتدخلات التي خلفت وراءها دمارا وضحايا أكثر من أن تحصى، لمقارنتها بعدالة قضيتنا.
ثانيا، ومن منظور عسكري بحت:
اشتراط أن تحصر المقاومة تحركاتها ضمن حدود ضيقة، وتحديد مدى استهدافها في كل عملية، هو مفهوم يتجاهل أبسط حقيقة في أي نزاع مسلح، وهو اختلال موازين القوى.
فمن العبث مطالبة طرف يفتقر إلى وسائل استطلاع حديثة، وأقمار صناعية، والقوات الجوية، والأسلحة الموجهة بدقة، بالدقة العملياتية لقوة عسكرية تمتلك كل هذا، وتمتلك أيضا دعما غير مشروط من الولايات المتحدة.
أخيرا، لا يمكن فهم أحداث السابع من أكتوبر بمعزل عن واقع سبقها، انبثق منه سنوات من الحصار، والتجويع، والدمار، والقتل المتعمد للأبرياء، وآلاف من الأسرى الأبرياء، ولا بمعزل عن وقت تزايد فيه تهميش القضية على الساحات الدولية، بينما بدأت خطوات لترسيخ واقع جديد، كنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والمحاولات المستمرة لتكريس نظام الاحتلال القائم باعتراف دولي.
في هذا السياق، برزت أحداث السابع من أكتوبر كصرخة ضد عمليات سياسية وعسكرية أوحت بأن القضية الفلسطينية ستمحى تدريجيا من التاريخ وتطوى في غياهب النسيان. وعندما كانت أساليب الاحتجاج السلمي ضئيلة الجدوى في تغيير واقع قائم، اكتسب النهج العسكري أهمية متزايدة في حسابات المقاومة.






















