تحقيق- شهد أحمد الزاجلاوي
بينما تفرض وزارة الدفاع الإسرائيلية حجبا جغرافيا شديدا على المستندات والميزانيات، وتمنع الاطلاع عليها من داخل نطاقنا الجغرافي في مصر، تمكنا من اختراق هذا الجدار الرقمي لنضع أيدينا على وثيقة ميزانية جيش الدفاع الإسرائيلي لعام 2023؛ وهي وثيقة لا تُقرأ بوصفها أرقاماً وجداول فحسب، بل كحالة تأهب وخطة استباقية.
في الأشهر الأولى من عام 2023، وبينما كانت الإدارة السياسية الإسرائيلية تتبنى خطابا سياسيا قد يظهر هادئا وطبيعيا نسبيا، وضعت وزارة الدفاع ميزانية الجيش لعامي 2023-2024 لعرضها على مكتب رئيس الوزراء والكنيست.
وظهر أنها لم توضع فقط لحفظ الأمن بشكل روتيني، بل لاستيعاب تداعيات صدام كبرى؛ حيث كشفت الأرقام التي استخرجناها وحللناها من الوثيقة عن زيادة مليارية مريبة في بنود “التأهيل”، وإعادة هيكلة شاملة لمنظومة المعابر والحدود، وهي زيادة بعد مراجعة ميزانيات السنوات السابقة تُعد غير اعتيادية، إذ فاقت حتى ميزانيات الأعوام التي احتدم فيها الصراع بين إسرائيل وحماس عام 2021.
ركزت الميزانية على ثلاثة محاور رئيسة؛ أولها الجاهزية، ثم النمو والتطوير، وأخيراً تشغيل الجيش بشكل اعتيادي وروتيني. والجاهزية هنا تعني (تجهيزا شاملا) للمعدات الجديدة وقطع الغيار الاحتياطية والذخائر، أما الجزء الخاص بالتطوير فيشمل تطوير التقنيات والمنظومات الدفاعية والهجومية.
ويأتي جزء “تشغيل الجيش” متمثلاً في إعادة التأهيل الطبي، والرواتب، ومصروفات التقاعد، ودعم العائلات؛ وقد يبدو الأمر حتى الآن طبيعياً ضمن أولويات ميزانية أي وزارة دفاع.
منذ أن نشرت وزارة الدفاع الإسرائيلية وثيقة الميزانية للإعلام حسب قانون الشفافية، واطلع عليها الصحفيون والمحللون العسكريون الإسرائيليون، ونشرت كلٌّ من صحيفتي “تايمز أوف إسرائيل” و”هآرتس” تقارير عن أرقام الميزانية؛ أثيرت حالة من السخط والانتقاد في الداخل الإسرائيلي بشأن الزيادة الواضحة وغير المبررة لميزانية الدفاع، خاصة في ظل غياب حرب أو تهديد معلن وقت عرض الميزانية.
بتتبع الوثيقة نلاحظ أن الإقبال الحكومي الإسرائيلي على الإنفاق العسكري في اوئل عام 2023 قد تخطى ميزانيات دول تواجه بالفعل تحديات أمنية متصاعدة بعد الحرب الأوكرانية، بما في ذلك دول أوروبية، وسجلت إسرائيل نسبة قياسية في تكلفة التسليح من الناتج المحلي حتى عند مقارنته بالإنفاق من الناتج المحلي بالولايات المتحدة، فسجلت إسرائيل 8% من نسبة الإنفاق من الناتج المحلي الإجمالي وهو الأعلى عالميا، والجدير بالتأكيد أن الميزانية أعدت في فبراير 2023، أي لم تكن إسرائيل تواجه تهديداً “أمنيا” يضطرها لوضع ميزانية استثنائية لحالة تأهب واستعداد.
لما التأهب؟
تخصص وزارة الدفاع الإسرائيلية مبالغ مالية ضخمة للدعم النفسي لأفراد الجيش تحت مظلة ميزانية قسم التأهيل والتدريب، والذي يعد أحد أبرز أولويات الإنفاق السنوي للجيش لأنه يقع تحت البنود المخصصة لتشغيل الجيش بشكل اعتيادي سواء في حالة الحرب أو السلم.
ففي عام 2022، خُصص لهذا القسم حوالي 4.5 مليار شيكل، نال الدعم النفسي منها نصيباً يقارب 400 مليون شيكل، وهي أرقام تقع ضمن نطاق الإنفاق الإعتيادي السنوي.
إلا أن التدقيق في وثيقة الميزانية الصادرة قبل السابع من أكتوبر تكشف عن قفزة مريبة للمبلغ المخصص لقسم التأهيل والتدريب بالكامل؛ حيث ارتفع بزيادة قدرها مليار ونصف المليار شيكل، لتصل الميزانية إلى 5.5 مليار شيكل أي ما يعادل1.76 مليار دولار وفقا لسعر الشيكل مقابل الدولار بـ2023.
هذه الزيادة لمخصصات الرعاية الطبية والدعم النفسي تضع علامات استفهام كبرى، وتشير بوضوح إلى أن الجيش كان يستعد لاستيعاب أعداد غير مسبوقة من المصابين جسديا ونفسيا.

البنود السرية
في أرقام الميزانية المعلنة، لن نجد بندا أو رقما مخصصا لـ “الاغتيالات” أو “تطوير الصواريخ النووية”؛ كونها بيانات سرية، لكنها تظهر في الميزانية بشكلٍ مموه وخفي كتصاعد ميزانية في قسم محدد داخل الجيش بشكل غير أعتيادي أو تظهر تلك الميزانيات السرية تحت مسميات أخرى، مثل: “المشاريع الخاصة”، أو “الاحتياط العام للدفاع”، “ميزانية العمليات عابرة الحدود”.
وأيا كانت طرق التمويه المستخدمة، فلا يتم صرف أي مبلغ منها إلا بقرار من لجنة “الشؤون الاستخباراتية” في الكنيست، وهي لجنة فرعية بعيدة عن الرقابة التقليدية للكنيست، كما يشرف على هذه الميزانيات مكتب رئيس الوزراء مباشرة.
خطة إزاحة الجنود من المعابر وتقليل التواجد العسكري
تضمنت الميزانية خطة شاملة تهدف إلى “تمدين” تأمين المعابر البرية، من خلال استبدال عناصر الجيش المتواجدين على المعابر الداخلية والحدودية بحراس أمن مدنيين ومفتشين لتولي المهام التشغيلية اليومية.
والهدف المعلن لهذه الخطوة هو تفرغ جنود الجيش للتركيز حصراً على المهام القتالية المكلفين بها، ولا تقتصر هذه الخطة على استبدال القوة البشرية فحسب، بل شملت أيضا تطوير وتزويد السياج والمعابر بأحدث تقنيات المراقبة والإنذار، أي تقليل التواجد العسكري المباشر داخل منشآت التفتيش في المعابر المطلة على قطاع غزة، ومن أبرزها معبر “بيت حانون” شمالا المخصص لحركة الأفراد، ومعبر “كرم أبو سالم” الذي يُعد الشريان التجاري الوحيد لإدخال البضائع والوقود.
الميزانية العسكرية ليست مجرد أرقام حكومية بل تعكس وبشكل واضح الأولويات الاستراتيجية للإدارة السياسية في إسرائيل، وتجسد التوازن والاتصال الدقيق والذي يبدو غير واضح أحيانا بين الإدارة السياسية وأجهزة الدولة ومؤسساتها؛ فميزانية الدفاع هي تنسيق معقد بين وزارتا الدفاع والمالية، ومكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، إضافة إلى مراقبي الكنيست.





















