إن ما نراه في هذه الحقبة الأخيرة من التحول الجذري في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، واتخاذها النهج الإمبريالي بشكل معلن وموسع على نطاق غير مسبوق، بعد أن كان سابقًا سبيلًا وطريقةً لتنفيذ الحلم الديمقراطي، يمثل تحولًا تاريخيًا عميقًا.
فقد تخلت تمامًا عن شماعة الحلم الديمقراطي التي كانت تتوارى خلفها لعقود، وأصبحت تعلن هيمنتها الإمبريالية كما تعلن الشمس سطوعها في كبد السماء، حتى على دول الأصدقاء والحلفاء الذين أصابتهم الآثار الجانبية للإمبريالية. وقد رأينا ذلك جليًا في تصريحات ترامب وتطلعاته بضم كندا وجرينلاند كولايتين متصلتين بالدولة الأمريكية، وكأن حدود الدول لم تعد، في نظره، سوى خطوط مرسومة على الرمال يمكن للريح أن تمحوها متى شاءت.
وكان هذا التحول في السياسة الخارجية نتيجة مباشرة لضعف وانهيار العديد من القوى الموازية لتلك الهيمنة. فقد انهار المعسكر الشرقي، وتراجعت القوى التي كانت تشكل توازنًا للنظام العالمي، كما تخلت الصين عن مشاريع توسيع التحالفات العسكرية المباشرة، واتجهت إلى التغلغل الاقتصادي، فاتحةً أسواق العالم كما يفتح النهر مجراه في أطيان الأرض.
وفي المقابل، تعرضت دول العالم الثالث المناهضة لهذه الهيمنة لسلسلة من الضربات المتتالية؛ كان بعضها عسكريًا، وبعضها سياسيًا، وبعضها اجتماعيًا. وتم خلق أو استغلال ميليشيات داخلية لمواجهة الأنظمة الرافضة للهيمنة. ففي سوريا، لم تنجح الثورة كما كان يأمل كثيرون، بل دُمِّرت وسُرقت أحلامها، وتحولت ساحاتها إلى رقعة شطرنج تتنازعها القوى المتصارعة. وأصبحت بعض الفصائل التي رفعت شعارات الثورة في بداياتها أقرب إلى بيادق شطرنج تتحرك وفق مصالح القوى الدولية منها إلى مشاريع تحرر وطني.
ولكن الذي أراه حقًا مبشرًا بانهيار تلك الهيمنة هو طغيانها في حقبة ما بعد ثورات الربيع العربي. فالإمبراطوريات لا تسقط حين تكون في ذروة الحذر، وإنما تبدأ رحلة السقوط عندما تُصاب بغرور القوة، وتظن أن السماء لن تمطر إلا بإذنها، وأن البحار لن تتحرك إلا بأوامرها.
ففي هذه المرحلة تم التخلي شبه الكامل عن شعارات الديمقراطية، وظهرت النوايا الكامنة إلى العلن، كجبلٍ ظهر فجأةً ليعلن نواياه التي كانت كامنة تحت الأرض مئات السنين.
ففي الماضي كانت هناك مبررات تُقدَّم لكل غزو أو تدخل عسكري في دول العالم الثالث. فعند غزو العراق زُعم وجود أسلحة دمار شامل ومفاعلات نووية، كما بررت أطراف أخرى التدخل بسبب سياسات صدام حسين وتطلعاته الإقليمية وانتهاكاته للقوانين الدولية. لكن كثيرين يرون أن الهدف الحقيقي كان تدمير قوة الجيش العراقي والاستيلاء على مقدرات البلاد وثرواتها، وأن تلك المبررات لم تكن سوى ستار دخان يخفي خلفه حقيقة المشهد.
وهكذا كان الحال في العديد من التدخلات العسكرية الأخرى، سواء في سوريا أو غيرها من البلدان التي حاولت الخروج من العباءة الأمريكية سياسيًا أو اقتصاديًا. أما اليوم، فإننا نعيش ما يمكن وصفه بقمة الهرم الإمبريالي؛ حيث لم تعد الهيمنة تحتاج إلى أقنعة، ولم تعد القوة تخشى الاعتراف بنفسها.
بل إن النظام الدولي نفسه يبدو أحيانًا وكأنه قطعة شطرنج تُحرَّك وفق موازين القوة. فعندما أصدر المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، طلبات تتعلق بمحاسبة قادة إسرائيليين، رأينا حجم الضغوط والاعتراضات التي مورست على المحكمة، الأمر الذي اعتبره كثيرون دليلًا على أن ميزان العدالة الدولية لا يُوزن دائمًا بالكفة نفسها.
حتى إننا نرى في ترامب نموذجًا لهذه السياسة القائمة على استعراض القوة. فهو يتعامل مع العلاقات الدولية كما يتعامل التاجر مع دفتر الحسابات، أو كما يتعامل صاحب النفوذ مع من هم أضعف منه. فيذهب إلى الخليج طالبًا الأموال والاستثمارات، مستندًا إلى ما يملكه من أوراق القوة العسكرية والسياسية، حتى بات البعض يصف العلاقة وكأنها اشتراك سنوي ضخم يضخ المليارات في شرايين الاقتصاد الأمريكي.
وعندما صرح بنيته ضم جرينلاند وكندا إلى الولايات المتحدة، بدا الأمر وكأن الإمبريالية لم تعد تكتفي بالتطلع إلى العالم الثالث، بل امتد نظرها إلى دول العالم الأول نفسها. وحتى إن بقي الأمر في إطار التصريحات، فإن مجرد الطرح يحمل في طياته قدرًا كبيرًا من الاستعلاء السياسي.
كما أن تلميحاته المتكررة بشأن السيطرة على الممرات المائية العالمية، سواء فيما يتعلق بقناة السويس أو قناة بنما، تعكس رؤية تعتبر تلك الشرايين الدولية ملكية خاصة يمكن التحكم بها وفق منطق القوة، لا وفق قواعد السيادة الدولية.
ومن هنا فإنني أرى أن الإمبريالية، عندما تتخلى عن الميكافيلية التي كانت تستخدمها كقناع، وتعلن غاياتها التوسعية بصورة مباشرة، فإنها تكون قد وضعت أول قدم لها على طريق السقوط. فالتاريخ يعلمنا أن الغرور السياسي يشبه النار التي تأكل الحطب الذي أوقدها.
فعندما يُطرح قطاع غزة باعتباره أرضًا يمكن إخضاعها للمصالح الأمريكية أو الإسرائيلية، فإن ذلك يكشف أن الصراع ليس مجرد خلاف أيديولوجي أو فكري، بل صراع يرتبط بالمصالح والنفوذ والتوسع والسيطرة على الموارد.
ومع أول هزيمة تتعرض لها أي قوة توسعية، تبدأ الشقوق في الظهور داخل جدرانها الصلبة، ثم تتوالى الضربات كما تتساقط أحجار الدومينو واحدة تلو الأخرى. وقد رأينا ذلك في تجارب تاريخية عديدة، من نابليون إلى هتلر، ومن إمبراطوريات ظنت أنها خالدة، فإذا بها تتحول إلى صفحات في كتب التاريخ.
وإنني أرى أن إحدى أبرز هذه الضربات تمثلت في المواجهة مع إيران.
فبداية العداء الأمريكي الإيراني الحديث تعود إلى عام 1979، بعد الثورة على الشاه الإيراني، الذي كان أحد أهم حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. وقد أطاحت به الثورة بقيادة روح الله الخميني، ومنذ ذلك الحين أصبح النظام الإيراني خصمًا استراتيجيًا لواشنطن، وغصة دائمة في حلق المشروع الأمريكي في الشرق الأوسط.
ومن المفارقات أن الولايات المتحدة دعمت العراق سياسيًا واستخباراتيًا خلال الحرب العراقية الإيرانية، في محاولة لاحتواء النفوذ الإيراني ومنع تمدده. ومنذ ذلك الحين توالت العقوبات والضغوط السياسية والاقتصادية، كما تصاعدت الاتهامات والجهود الرامية إلى عزل إيران إقليميًا ودوليًا.
ثم جاء الملف النووي الإيراني ليضيف فصلًا جديدًا من الصراع، وتلاه اغتيال قاسم سليماني عام 2020، وهو الحدث الذي رفع منسوب التوتر إلى مستويات غير مسبوقة.
وحتى بعد كل ذلك، لم تتوقف الضغوط. ففي أواخر فبراير شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على أهداف عسكرية ومنشآت نووية إيرانية، لكن الرد الإيراني جاء حاضرًا، لتدخل المنطقة في مرحلة جديدة من التصعيد المتبادل.
ثم تتابعت عمليات الاغتيال والاستهداف، وكان الرد الإيراني مستمرًا. وفي الوقت ذاته راهنت بعض التحليلات على سقوط النظام الإيراني أو اندلاع ثورة شعبية ضده، لكن هذه التوقعات لم تتحقق بالشكل الذي روج له أصحابها.
بل على العكس، فقد ظهر ما يشبه حالة الالتفاف الوطني في مواجهة الخطر الخارجي، وهي ظاهرة كثيرًا ما شهدها التاريخ؛ إذ تميل الشعوب إلى التماسك عندما تشعر بأن وجودها مهدد.
كما برز مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية بيد إيران؛ فهو ليس مجرد ممر مائي، بل شريان تتدفق عبره مصالح العالم الاقتصادية كما يتدفق الدم في عروق الجسد. ولذلك فإن أي اضطراب فيه ينعكس على الاقتصاد العالمي بأسره.
ومن هذا المنطلق، يرى أنصار هذا الرأي أن استمرار إيران في الصمود والمقاومة، رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية، يمثل انتصارًا مهمًا في مواجهة النفوذ الأمريكي في المنطقة.
وكما ذكرت سابقًا، فإن أول هزيمة لأي كيان إمبراطوري كثيرًا ما تكون بداية سلسلة من الهزائم اللاحقة. فكم من قوة طغت وتجبرت، وكم من إمبراطورية ظنت أن الشمس لن تغيب عنها، ثم انتهت إلى الانهيار. فالتاريخ لا يرحم المتغطرسين، والحضارات التي تصل إلى مرحلة الطغيان العلني كثيرًا ما تكتب بنفسها السطور الأولى في قصة سقوطها.















