في وقت يطلب فيه من المواطن المصري تحمل المزيد من الأعباء الاقتصادية، والتكيف مع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، تبرز مشاهد تثير تساؤلات مشروعة حول أولويات بعض المسؤولين الذين يمثلون الدولة في الخارج.
آخر هذه المشاهد ما نُشر عن حفل أقامه سفير مصر لدى فرنسا لعدد من الفنانين والمشاهير، وقبله أُثيرت انتقادات مماثلة بشأن سفير مصر لدى أستراليا، والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل تحولت بعض السفارات المصرية إلى صالونات اجتماعية للمشاهير، أم أنها ما زالت مؤسسات دبلوماسية تمول من أموال الشعب لخدمة مصالح الدولة المصرية؟
القضية هنا لا تتعلق بأشخاص أو أسماء، بل بمفهوم الوظيفة العامة وحدودها. فالسفير ليس نجمًا اجتماعيًا، ولا صاحب قاعة مناسبات، ولا مسؤولًا عن تنظيم الولائم والتقاط الصور التذكارية، السفير يمثل دولة تواجه تحديات اقتصادية وسياسية كبيرة، ومن المفترض أن ينشغل بخدمة مصالحها وتعزيز مكانتها ورعاية مواطنيها في الخارج.
ومن حق المواطن أن يتساءل: ما العائد الحقيقي من هذه الحفلات؟ كم استثمارًا جذبت؟ كم فرصة تعاون اقتصادي حققت؟ كم مشكلة لمواطن مصري ساهمت في حلها؟ وما القيمة المضافة التي عادت على الدولة من وراء هذه الأنشطة؟
الأكثر إثارة للاستغراب أن شكاوى المصريين في الخارج من بطء الإجراءات وضعف التواصل والبيروقراطية لا تتوقف، بينما تبدو بعض السفارات شديدة النشاط عندما يتعلق الأمر باستقبال المشاهير وإقامة المناسبات الاجتماعية، هذه المفارقة تترك انطباعًا سلبيًا بأن المظهر أصبح في بعض الأحيان أهم من الجوهر، وأن الصورة الإعلامية باتت تتقدم على الخدمة العامة.
ثم يأتي السؤال الأهم: من الذي تحمل تكلفة هذه الفعاليات؟ فإذا كانت أقيمت على نفقة شخصية كاملة، فذلك شأن خاص. أما إذا استخدمت فيها موارد السفارة أو مخصصاتها أو أي أموال عامة، فإن الأمر يستوجب الشفافية الكاملة والمراجعة والمساءلة، فالمال العام ليس ملكًا لأحد، ولا يجوز التعامل معه باعتباره وسيلة للمجاملات أو صناعة الوجاهة الاجتماعية.
لا أحد يعترض على ممارسة الدبلوماسية العامة أو التواصل مع الشخصيات المؤثرة عندما يخدم ذلك أهدافًا وطنية واضحة، لكن الاعتراض يبدأ عندما تتحول هذه الأنشطة إلى غاية في حد ذاتها، وعندما يغيب التفسير المقنع لعائدها على الدولة والمواطن.
لذلك فإن المطلوب من وزارة الخارجية أن تقدم توضيحًا واضحًا للرأي العام بشأن طبيعة هذه الفعاليات ومصادر تمويلها وأهدافها، خاصة إذا كان المشاركون فيها في زيارات خاصة أو رحلات شخصية وليسوا ضمن وفود رسمية تمثل الدولة.
إن المصريين لا ينتظرون صورًا من حفلات الاستقبال، بل ينتظرون نتائج حقيقية تعكس كفاءة مؤسساتهم في الدفاع عن مصالحهم وخدمة وطنهم، فالمناصب العامة ليست امتيازًا شخصيًا، بل مسؤولية وأمانة، واحترام المال العام ليس شعارًا يردد في الخطب، بل مبدأ يجب أن يطبق على الجميع دون استثناء.
ولهذا أطالب وزير الخارجية بفتح تحقيق واضح وشفاف في هذه الوقائع، وإعلان نتائجه للرأي العام، حتى تتأكد الدولة والمواطن معًا من أن مواردها ومؤسساتها تعمل لخدمة المصلحة الوطنية، لا لخدمة المظاهر والوجاهة الاجتماعية، وخاصه أن سفرهم نوع من الوجاهة وليس لهم ناقه ولا جمل في المهرجانات.
















