قال محمود الدندراوي، الباحث الاقتصادي، إن الخطوات الاستراتيجية بين مصر وروسيا تعكس تحولا نحو شراكة اقتصادية أكثر عمقا واستدامة، تتجاوز مفهوم التبادل التجاري التقليدي إلى الاندماج اللوجستي والرقمي، بما يدعم حركة التجارة ويهيئ المجال أمام زيادة الاستثمارات المشتركة بين البلدين.
وأوضح الدندراوي؛ في تصريح خاص لـ”الحرية”، أن تطوير المسارات اللوجستية وإدارة الوثائق إلكترونيا، إلى جانب تفعيل منظومة الفاتورة الإلكترونية المتبادلة والنافذة الواحدة، يمثل عاملا أساسيا في إزالة المعوقات غير الجمركية التي تعطل حركة التجارة، مؤكدا أن التحول الرقمي يمكن أن يقلل التكلفة والوقت المرتبطين بالإجراءات التقليدية.
التحول الرقمي يخفض تكلفة التجارة ويسرّع حركة البضائع
وأشار الباحث الاقتصادي إلى أن الإجراءات الورقية التقليدية وما يصاحبها من دورات مستندية معقدة ووقت لاستخراج التراخيص والشهادات، تمثل أعباء مالية وزمنية غير مباشرة على الشركات، موضحًا أن التحول إلى الأتمتة الكاملة يقلل هذه التكاليف بصورة ملحوظة.
وأضاف الدندراوي أن الاعتماد على الوثائق الرقمية المسبقة يمكن أن يقلص الوقت الذي تستغرقه البضائع داخل الموانئ للإفراج عنها، وهو ما يسرع دورة رأس المال بالنسبة للشركات والمستوردين في مصر وروسيا، ويسمح بتدفق السلع بصورة أكثر كفاءة.
ولفت إلى أن الأنظمة الرقمية الموحدة تعزز كذلك موثوقية البيانات وشفافيتها، وتقلل المخاطر التشغيلية، فضلا عن تسهيل عمليات التتبع اللوجستي، سواء بالنسبة إلى الموانئ المرتبطة بمحور تنمية قناة السويس أو الموانئ الروسية المطلة على البحر الأسود، وهو ما يمكن أن ينعكس إيجابًا على حجم التجارة البينية بين البلدين.
السيارات والمعدات الطبية والروبوتات أبرز المستفيدين
وأكد الدندراوي أن السوق المصرية لديها طلب متزايد على التكنولوجيا الصناعية المتقدمة، موضحا أن هناك عددا من القطاعات التي يمكن أن تستفيد بصورة كبيرة من التقنيات والصناعات الروسية.
وأوضح أن قطاع السيارات والصناعات الآلية يأتي في مقدمة هذه القطاعات، خاصة مع توجه مصر نحو توطين صناعة السيارات وتطويرها، مشيرا إلى إمكانية الاستفادة من التقنيات وخطوط الإنتاج الروسية وتقديم حلول تنافسية وملائمة للسوق المصرية، إلى جانب فرص التعاون في تطوير المركبات وقطع الغيار ووسائل النقل الجماعي والنقل الثقيل.
وأضاف الباحث الاقتصادي أن المعدات الطبية والرعاية الصحية تمثل مجالًا آخر للتعاون، في ظل الحاجة المستمرة إلى تحديث التجهيزات والمعدات في المستشفيات الحكومية والخاصة، موضحًا أن دخول التكنولوجيا الطبية الروسية يمكن أن يوسع خيارات التنويع التقني أمام القطاع الطبي المصري، ويدعم جهود توطين الصناعات الطبية.
وأشار الدندراوي إلى أهمية الروبوتات الصناعية ومعدات الأتمتة أيضا، خاصة مع سعي الصناعات الثقيلة والمتوسطة وقطاعات التصنيع المختلفة إلى رفع كفاءة الإنتاج وتحسين الجودة وتعزيز القدرة التنافسية للمنتج المصري في السوق المحلية والأسواق العالمية.
المنطقة الصناعية الروسية تفتح الباب أمام التصنيع المحلي
وقال الدندراوي إن هذه الخطوات لا تقتصر على تسهيل التبادل التجاري، وإنما يمكن أن تمهد لتحول نوعي نحو الاستثمار المشترك، موضحا أن المنطقة الصناعية الروسية في محور قناة السويس تمثل نموذجًا يمكن من خلاله الانتقال من تصدير المنتجات الروسية تامة الصنع إلى إقامة عمليات إنتاج محلية مشتركة في مصر.
وأوضح أن هذا النموذج يسمح بإنتاج سلع تحمل علامة «صنع في مصر»، مع استفادة الشركات الروسية من موقع مصر واتفاقيات التجارة الحرة التي تتيح لها الوصول إلى أسواق عربية وإفريقية، بما يحول مصر إلى قاعدة للإنتاج والتصدير بدلًا من الاقتصار على استيراد المنتجات النهائية.
تقليل الضغط على العملات الأجنبية
وأشار الباحث الاقتصادي إلى أن تسهيل المعاملات التجارية والمالية بين مصر وروسيا من خلال آليات أكثر مرونة يمكن أن يساهم في تقليل الضغط على العملات الأجنبية التقليدية، موضحًا أن هذا الأمر قد يشجع المستثمرين على ضخ رؤوس أموال مباشرة لإقامة مصانع وكيانات إنتاجية على الأراضي المصرية.
وأضاف الدندراوي أن الانتقال من مجرد حركة سلع بين البلدين إلى استثمارات مباشرة يخلق علاقات اقتصادية أكثر استدامة، لأن وجود مصانع وكيانات إنتاجية مشتركة يربط مصالح الشركات بالأسواق المحلية والإقليمية ويزيد من عمق التعاون الاقتصادي.
تكامل السلاسل الإنتاجية يعزز الشراكة
وأكد الدندراوي أن الشراكة المصرية الروسية تتيح كذلك فرصة لتكامل السلاسل الإنتاجية، من خلال دمج المدخلات والمواد الخام الصناعية الروسية مع القدرات التصنيعية المصرية، والاستفادة من العمالة والبنية التحتية والمزايا التنافسية التي تمتلكها مصر.
وأوضح أن هذا التكامل يمكن أن يخلق نموذجًا يتجاوز العلاقة التقليدية بين مستورد ومصدر، إلى شراكة إنتاجية تجمع التكنولوجيا والمدخلات الصناعية من الجانب الروسي مع التصنيع والبنية الأساسية والقدرة على الوصول إلى أسواق إقليمية من الجانب المصري.
واختتم الباحث الاقتصادي بالتأكيد على أن تطوير المسارات اللوجستية والتحول الرقمي في التجارة يمكن أن يشكلا قاعدة أساسية لجذب مزيد من الاستثمارات الروسية إلى مصر، خاصة إذا تزامن ذلك مع توطين الصناعات وتكامل سلاسل الإنتاج، بما يدفع العلاقات المصرية الروسية تدريجيًا من التبادل التجاري إلى التصنيع والاستثمار المشترك.
أقرأ أيضا..خبير لـ«الحرية»: الصادرات الرقمية قطاع واعد.. ولا يوجد قطاع واحد يقود الاقتصاد طوال الوقت






















