لم يكن ما بيني وبين حسام حسن قبل المونديال عامرا.
كثيرًا ما سخرت من تصريحاته التي دأب فيها على “تخوين منتقديه”، حتى خشيت من أن يتهمهم بـ”الأخونة”، ولطالما استقبحت اختزاله الوطنية في أن يفوضه الشعب المصري العظيم، لإدارة شؤون البلاد الكروية، بلا قيد أو شرط.
هذه نبرة ديكتاتورية قميئة وإقصائية منفرة، فالوطنية ليست حسام حسن، ولا يجوز أن تُختَزل في شخص أيًا ما كان منصبه وقدره.
إلى جانب ذلك، لم يكن أداء العميد الفني، يقنعني كمتذوق يحب “اللعبة الحلوة”، ويتلذَّذ بالجسارة الهجومية، لا الانكماش الدفاعي الذي يقتل التسعين دقيقة، ويمسخ جماليات الساحرة المستديرة.
وكانت مباريات كأس الأمم الأفريقية السابقة بالمغرب، آخر خيط بيني وبين المنتخب، تحت القيادة الفنية للعميد وتوأمه إبراهيم.
بعدها آمنت بالمقولات الشائعة بأن حسام ضعيف فنيًا، ولا فضل له إلا قدرته على بث الحماس في نفوس لاعبيه، الأمر الذي لا يحقق إنجازات في كرة القدم الحديثة التي تتطور خططيًا بصورة مذهلة، وتوقعت على هذا الأساس خروجًا من المونديال بفضيحة سيقال في تزييفها -كالعادة- إنها “تمثيل مشرف”.
وهكذا عزفت عن متابعة أخبار المنتخب، متوخيًا تجنب الغم والهم وحرق الدم، إلى أن خاض مبارياته الثلاث ضد إسبانيا والسعودية والبرازيل، في إطار الاستعداد لكأس العالم.
ما هذه الحلاوة؟
الفريق يلعب كرة مفتوحة جريئة، وهناك أداء جماعي منظم للغاية، وجمل تكتيكية، وتبادل مراكز وأدوار في الملعب، ونتائج غير متوقعة.
هل تسرعت في أحكامي على العميد؟
ربما لكني سأتريث لحين خوض المباريات الرسمية؛ إنَّ التعويل على الأداء في مباريات ودية ليس دقيقًا ولا يعتد به ضمن معايير التقييم في معظم الأحوال، بيد أن الظاهر مبدئيًا أن هناك شخصية فنية جديدة، شخصية مقاتلة “تؤمن بالمعافرة” حتى النفس الأخير، شخصية تشبه حسام حسن الذي يأبى الخسارة منذ كان ناشئًا في أشبال النادي الأهلي.
هل العميد مدرب حماسي فقط؟
وبعد مباراة بلجيكا جعلت أراجع وجهة نظري؛ ليس حسام حسن مجرد مدرب يبث الحماس في نفوس لاعبيه، هذا غبن كبير، وافتئات على الحقيقة التي شهد بها خبراء الساحرة المستديرة في العالم بأسره.
واجه المنتخب المصري المنتخب المصنف تاسعًا على العالم، في مباراة انتهت بالتعادل الإيجابي، وشهدت تفوقًا فنيًا ملحوظًا للاعبينا، إلى حد أن الصحافة العالمية قررت أن بلجيكا أفلتت من الهزيمة.
مَن كان يُصدِّق؟
كنا نحسب حساباتنا على أساس الهزيمة الحتمية من بلجيكا، ثم الفوز على نيوزيلندا وإيران، وكان هذا السيناريو هو غاية المنى.
وفي مباراة نيوزيلندا رأينا لاعبي المنتخب يحولون الخسارة بهدف إلى فوز بثلاثية، واستمتعنا بالوافد الجديد إلى المنتخب؛ اكتشاف العميد؛ “زيكو” حين سجل، وحين مرَّر واحدةً بالكعب غاية في “الحرفنة” لقائد المنتخب؛ محمد صلاح الذي تلقاها قبولًا حسنًا فسجل بدوره.
التغييرات الخططية دون استبدال لاعبين هي التي حسمت المواجهة، لكن كارهي حسام حسن لا يزالون يتفيقهون بأنه ضعيف فنيًا.
مع الوصول إلى دور الـ32 ارتفع سقف الطموحات. لم يكن منتخب أستراليا منتخبًا ضعيفًا، كما أشيع، وكان لاعبوه يملكون قدرة فائقة على صناعة التحولات الهجومية السريعة والعرضيات الخطيرة.
أدى المنتخب الشوط الأول أداءً أقل من المأمول، غير أنه سرعان ما لملم شتاته في الشوط الثاني، ولعبنا وقتًا إضافيًا وصولًا إلى الضربات الترجيحية فإذا بنا للمرة الأولى في دور الـ16، ومن ثم نتأهب لمواجهة نارية مع حامل اللقب.
ميسي ورفاقه؛ منتخب الأرجنتين الذي تبلغ قيمته التسويقية 807 ملايين دولار، ومنتخب الفراعنة الذي لا تزيد قيمته عن 116 مليونًا.
كل المؤشرات والتحليلات والتوقعات، كانت تتجه إلى أن خروج منتخبنا بهزيمة غير ثقيلة من راقصي التانغو سيعد أقل الضرر.
في المؤتمر الصحفي قبل المباراة قال إبراهيم حسن: “لا نخشى الأرجنتين، وإذا كان عندهم ميسي فلدينا 26 ميسي”.
اهدأ يا عم إبراهيم ووحِّد الواحد، يا رجل أنت تتحدث عن أعظم لاعب في العالم.. كذلك تمتمت فيما كنت أتابعه.
لم أكن وحدي الذي يخشى نتيجة المواجهة، وإن كان ثمة صوت في أعماقي يهتف: “يمكن”، لكنه صوت شديد الوهن.
سيناريو دراماتيكي أمام راقصي التانغو
وبدأت المباراة واشرأبت الأعناق، فإذا بمنتخبنا يمسح بلاعبي الأرجنتين الأرض. عزف الفراعنة سيمفونية دفاعية وهجومية. لم نفتح الخطوط ولم ننكمش انكماشًا رعديدًا، وسجلنا في شباك بطل العالم هدفًا مبكرًا.
ومع السيطرة المصرية على مجريات اللعب، شرع الحكم الفرنسي الفاسد يُسرف في احتساب الفاولات ضد لاعبينا، ثم جعل يشهر البطاقات الصفراء، على حين وقف كالخُشب المسنَّدة إزاء خشونة لاعبي الأرجنتين المفرطة، والتحاماتهم المؤذية مع سبق الإصرار، وصولًا إلى إلغاء هدف زيكو؛ أجمل أهداف البطولة بذريعة ارتكاب مخالفة على بعد نحو تسعين مترًا من مرمى الأرجنتين.
كان واضحًا -بلغة الكرة- أن هناك نية لـ”تحزيم” لاعبينا.
لكن ذلك لم يفت في عضدهم فإذا بمفاجأة البطولة؛ زيكو يسجل هدفًا من هجمة مرتدة منظمة، لتتقدم مصر بهدفين نظيفين.
حتى الدقيقة الثمانين أدى المنتخب أداءً بارعًا، وأدار الجهاز الفني المباراة على أحسن ما يكون.
غير أن سيل الفجور التحكيمي بلغ الزُّبى، ورأى العالم بأسره على الشاشات رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم مكفهرًا عابسًا لخسارة الأرجنتين، واضُطر حسام حسن لإجراء تغييرات بعد إصابة المايسترو هيثم حسن وصمام أمان خط الوسط إمام عاشور، ثم سجل المنتخب الأرجنتيني مرتين.
وبعد تغاضي الحكم عن ضربتي جزاء لمصلحة محمد صلاح وحمدي فتحي -وكلتاهما تخزق عين الأعمى- سجل الأرجنتينيون هدفهم الثالث في الوقت بدل الضائع.
سيناريو كابوسي لم يرد في خيال أشد الناس تشاؤمًا.
ولم يكن فقدان التركيز مسألة مفاجئة بعد الضغوط النفسية على كاهل الجهاز الفني واللاعبين.
كانت أرجل لاعبينا ثقيلة نتيجة لقرارات الحكم العكسية والمثبطة، أكثر مما هي نتيجة لانخفاض اللياقة بعد المجهود الذي بذلوه على مدى شوطي المباراة.
ورغم الهزيمة اكتسبنا احترام العالم، وهوجم الاتحاد الدولي ومنظومته الفاسدة والمراهنات التي تقوض العدالة، وانتقد رموز اللعبة ونجومها الكبار المؤامرة التي حيكت لإبقاء الأرجنتين في البطولة.
هل من الإنصاف بعدئذٍ تحميل الجهاز الفني مسؤولية الخسارة؟
لم يدخر اللاعبون جهدًا ولم يُقصِّر الجهاز الفني في تأهيلهم نفسيًا، أو التخطيط فنيًا للمباراة التي ستبقى واحدة من أجمل محطات كرة القدم المصرية، تمامًا مثل مباراة البرازيل في كأس القارات.
لكن حزب أعداء النجاح، وكارهي حسام حسن لن يستنكفوا عن إلقاء اللوم عليه.
سيجعلون أصابعهم في آذانهم كيلا يسمعوا الحقيقة الناصعة كالشمس؛ منتخبنا وقع تحت وطأة ظلم تحكيمي فاحش، أسفر عن حرمانه من فوز وتأهل مستحقين.
سيرددون أن عدم اختيار لاعب من هذا الفريق أو ذلك، هو السر الكامن وراء الخسارة.
وسيتذرعون بأن عدم تقفيل الخطوط بعد الهدف الثاني لمصر، هو الذي أضاع فوزًا كان في المتناول، وسيغضون الطرف عن أن هذا ما فعله المنتخب الإنجليزي فاستقبلت شباكه هدفين في ثماني دقائق، ذلك على الرغم من أنه لم يتعرض لواحد على عشرة من الظلم الذي مورس ضد الفراعنة.
وسيتناسون أن مرموش وتريزيجه أضاعا بمنتهى الرعونة والأنانية، فرصتين كانت الواحدة منهما كفيلة بإطلاق رصاصة الرحمة على راقصي التانغو، ولن يستوقفهم أن خلق هاتين الفرصتين يعني بالضرورة أن التغييرات لم تكن خاطئة فنيًا، وأنه ليس ذنب العميد أن لاعبًا محترفًا في الدوري الإنجليزي، وآخر ذا خبرات دولية واسعة، لم يتخذا القرار الصحيح في الوقت الصحيح.
نجح حسام في ما لم ينجح به غيره، من المدربين الأجانب الذين “نصبوا علينا” فزعموا لتبرير إخفاقاتهم أن هذه إمكانيات اللاعب المصري المتهافتة، وأنهم ليسوا سحرة حتى يصنعوا الشربات من الفسيخ.
لم نر المنتخب يلعب كرة “نتسلطن بها ونتمزَّج” منذ حسن شحاته وجيله الذهبي، إلا تحت إدارة العميد الفنية، لكن ما فات فات، والمنتخب الآن إزاء استحقاق الاستعداد لكأس الأمم المقبلة، ولا أحسب أن الجماهير سترضى بعد كأس العالم بأقل من البطولة.
المطلوب الآن إغلاق صفحة المونديال بحلوها ومرها، فلا تطبيل لحسام حسن، ولا تضخيم لما أنجزه، وكذلك لا تحطيم له، بل هو الانتظار فإن أحسن شجعناه، وإن أساء طالبنا بخلعه.
الناجح يواصل مسيرته، وليس على الفاشل إلا أن يرحل.





















