يرتبط يوم 21 فبراير في الذاكرة المصرية بواحدة من أهم محطات الحركة الوطنية الحديثة، ففي 21 فبراير 1946 دعت اللجنة العليا للعمال والطلبة إلى إضراب عام، ردًا على أحداث دامية سبقتها بأيام، لتتحول الجامعة إلى قلب السياسة، ويتحوّل الطالب إلى فاعل تاريخي لا مجرد متلقٍ للمعرفة.
9 فبراير 1946.. من الجامعة إلى الكوبري
في 9 فبراير خرج طلاب جامعة القاهرة احتجاجًا على مفاوضات حكومة إسماعيل صدقي، ورفضًا لما عُرف بمعاهدة صدقي–بيفن، مطالبين بالجلاء الكامل لقوات الاحتلال البريطاني عن مصر.
تحركت المسيرة باتجاه وسط القاهرة، حتى وصلت إلى كوبري عباس. هناك، وبقرار من وزير الداخلية آنذاك محمود فهمي النقراشي، فُتح الكوبري المتحرك أثناء عبور الطلاب، فسقط عدد كبير منهم في مياه النيل، بين غريق ومصاب، في مشهد صادم هزّ الضمير الوطني.
لم يكن ما جرى حادثًا عابرًا، بل لحظة فاصلة كشفت طبيعة الصراع بين إرادة شعبية تطالب بالتحرر، وسلطة تحاول ضبط الشارع ولو بالقوة.
21 فبراير.. التحام العمال بالطلبة
ردًّا على مجزرة الكوبري، دعت اللجنة العليا للعمال والطلبة إلى إضراب عام في 21 فبراير 1946، وكان ذلك اليوم إعلانًا صريحًا بأن الحركة الطلابية لم تعد معزولة، بل التحمت بالطبقة العاملة في معركة الاستقلال الوطني.
من هنا اكتسب 21 فبراير دلالته السياسية:
ليس مجرد ذكرى احتجاج، بل رمزًا لوحدة القوى الاجتماعية في مواجهة الاحتلال، وتأكيدًا أن الجامعة كانت دومًا ساحة لإنتاج الفعل الوطني.
الطالب كفاعل تاريخي
تكشف هذه المحطة أن الطالب في مصر لم يكن يومًا خارج معادلة السياسة، من ثورة 1919 إلى انتفاضات الأربعينيات، لعبت الجامعات دورًا في تشكيل الوعي العام وصياغة المطالب الكبرى: الاستقلال، الدستور، العدالة الاجتماعية.
حادثة كوبري عباس لم تُنهِ الحركة الطلابية، بل زادتها صلابة، الدم الذي سقط فوق النيل تحوّل إلى وقود لحركة أوسع، وأسهم في تصاعد المد الوطني الذي مهّد لتحولات كبرى في العقود التالية.
ذكرى لا تخص الماضي فقط
إحياء 21 فبراير لا يعني البكاء على التاريخ، بل استحضار سؤال دائم: ما موقع الجامعة اليوم من قضايا المجتمع؟
وهل ما زال الطالب يمتلك تلك القدرة على تحويل الغضب الأخلاقي إلى فعل عام؟
في يوم الطالب العالمي، نستعيد معنى بسيطًا وعميقًا في آنٍ واحد: أن الكلمة قد تبدأ في مدرج، لكنها قد تنتهي بصناعة تاريخ.





















