تُظهر خبرات التاريخ الحديث أن السيطرة الخارجية على أي مجتمع لا تتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل تقوم في الأساس على تحالفات داخلية مع قوى اجتماعية تتقاطع مصالحها مع مصالح القوى المهيمنة، فالاستعمار في جوهره، ليس فعلًا خارجيًا صرفًا، وإنما علاقة مركبة تتداخل فيها عوامل الداخل والخارج.
كان جمال عبد الناصر واعيًا بهذه الحقيقة، وأدرك أن الوجود الاستعماري البريطاني في مصر لم يكن ليترسخ لولا اعتماده على قوى اجتماعية داخلية، شملت طبقة كبار الملاك، وبعض النخب المرتبطة بالنظام القديم، إضافة إلى قيادات عسكرية ذات امتدادات تاريخية مع البنية الاستعمارية.
ومن هنا لم تقتصر معركة ثورة يوليو على إنهاء الوجود العسكري الأجنبي، بل امتدت إلى تفكيك قواعده الاجتماعية والاقتصادية داخل المجتمع المصري، وفي هذا الإطار جاءت سياسات التمصير ثم التأميم، باعتبارها أدوات لكسر التبعية وإعادة توجيه الموارد الوطنية.
وبغض النظر عن اختلاف اليسار مع التجربة الناصرية في أسلوب الإدارة أو حدود المشاركة السياسية، فإن منطق المواجهة مع التبعية ظل عنصرًا مركزيًا في تلك المرحلة، ويظل هذا الدرس حاضرًا اليوم، في ظل ما تتعرض له المنطقة العربية من ضغوط سياسية واقتصادية متزايدة، تقودها الولايات المتحدة وتستند فيها إلى إسرائيل بوصفها قاعدة متقدمة لمصالحها.
المؤسف أن هذه المشاريع لا تواجه فقط من الخارج، بل تجد لها امتدادات داخلية في عدد من المجتمعات العربية، حيث ترتبط مصالح فئات اجتماعية بعلاقات التبعية الاقتصادية، عبر الشراكات والوكالات والأنشطة التجارية المرتبطة بالمراكز الرأسمالية الكبرى.
وغالبًا ما تمتلك هذه الفئات أدوات للتأثير في المجال العام، سواء عبر وسائل الإعلام أو من خلال مواقعها داخل دوائر صنع القرار، فتسعى إلى ترويج خطاب السلام باعتباره خيارًا وحيدًا، بل وتصويره كمسار يخدم المصلحة الوطنية.
ويمكن ملاحظة نمط مشابه في التجربة الفنزويلية، حيث تخوض الدولة هناك منذ سنوات صراعًا للحفاظ على سيادتها في مواجهة الضغوط الأمريكية، وفي المقابل تظهر قوى داخلية تتبنى الخطاب الأمريكي، وتعمل على تسويقه داخليًا وخارجيًا، في تلاقٍ واضح بين مصالح هذه القوى ومصالح الخارج.
وليس من المصادفة أن تتقاطع مواقف بعض هذه الأطراف مع دعم السياسات الإسرائيلية في المنطقة، بما يعكس وحدة المصالح داخل المنظومة المهيمنة.
الأخطر من ذلك كله هو ما يمكن وصفه بإعادة إنتاج القابلية للتبعية، من خلال سياسات اقتصادية واجتماعية تؤدي إلى اتساع دوائر الفقر والتهميش، في ظل برامج إصلاح تُنفذ تحت إشراف مؤسسات مالية دولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي.
فهذه السياسات لا تقتصر آثارها على المؤشرات الاقتصادية، بل تمتد إلى إضعاف الروابط الوطنية، ودفع قطاعات واسعة من المجتمع إلى الانكفاء على هموم المعيشة اليومية، بعيدًا عن الانخراط في القضايا السياسية والوطنية الكبرى.
وفي المحصلة، فإن مسألة الاستعمار أو مقاومته لا تُحسم بقرارات السلطة وحدها، بل ترتبط على نحو وثيق بميزان المصالح داخل المجتمع ذاته، وقد نجحت تجارب مثل عبد الناصر في مصر، وهوغو تشافيز في فنزويلا، في الصمود لفترات طويلة أمام الضغوط الخارجية، لأن قطاعات واسعة من شعوبهم رأت في مقاومة الهيمنة دفاعًا مباشرًا عن مصالحها وحقوقها في موارد أوطانها.
أما اليوم، فإن تآكل هذا الرابط بين الشعوب وثرواتها الوطنية يظل أحد أبرز التحديات أمام أي مشروع جاد للتحرر والاستقلال.





















