في ذكرى ميلاد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، تطفو إلى السطح مجددًا قضايا الاستقلال الوطني، والسيادة الاقتصادية، والتبعية التي ما زالت تطارد دول الجنوب بعد عقود طويلة من رحيل الاستعمار العسكري.
يقول كارل ماركس: “التاريخ يعيد نفسه مرتين، المرة الأولى كمأساة، والثانية كمهزلة.”
ولعل هذا ما نراه بوضوح حين نتأمل المشهد في فنزويلا اليوم، وهي تواجه عدوانًا أمريكيًا مباشرًا وخطفًا لرئيسها “نيكولاس مادورو”، كما واجهت مصر في الماضي أطماع الاحتلال البريطاني ومحاولات إخضاعها لإرادة الغرب.
ظهرت مؤخرًا صورة لتمثال محطّم لجمال عبد الناصر في أحد شوارع كراكاس، العاصمة الفنزويلية، مشهد أثار تساؤلات حول رمزية هذا القائد بالنسبة لشعب يعيش تجربة حصار وعدوان شبيهة بما واجهته مصر من قبل.
ولفهم هذا التشابه، لا بد أن نستحضر نظرية التبعية الاقتصادية التي صاغها المفكر الراحل الدكتور سمير أمين، والتي ترى أن الرأسمالية العالمية تعمل على نطاق كوكبي بنفس منطقها الطبقي الداخلي:
فكما توجد داخل الدولة الواحدة طبقة تملك وتتحكم، توجد على مستوى العالم دول مركز رأسمالي تهيمن وتستغل، ودول أطراف تابعة تُستنزف مواردها وثرواتها.
دول المركز — أمريكا وأوروبا تحديدًا — تملك السلاح والإعلام والتكنولوجيا والتمويل، بينما دول الأطراف تصدّر المواد الخام وتستورد المنتجات النهائية، لتبقى في دائرة التخلف والاعتماد.
وأي دولة تحاول كسر تلك الحلقة، سواء ببناء قاعدة صناعية أو امتلاك أدوات الردع أو الحفاظ على مواردها الطبيعية، تُصنَّف فورًا كـ”دولة مارقة” وتُفرض عليها العقوبات وتُحاصر إعلاميًا، وربما تُغزَى عسكريًا.
وهذا ما جرى مع قادة مثل باتريس لومومبا، سلفادور أليندي، جمال عبد الناصر، وأخيرًا نيكولاس مادورو.
وإذا عدنا إلى مصر في عام 1882، نجد مشهدًا لا يقل تشابهًا عمّا نراه اليوم في فنزويلا.
اندلعت أحداث الإسكندرية فيما سُمّي بـ”يوم المقتلة”، حين تحولت مشاجرة بين خواجة وعربجي إلى ذريعة لتدخل أجنبي مباشر.
الإعلام الأوروبي حينها ضخّم الحادثة، واتهم الزعيم الوطني أحمد عرابي بالديكتاتورية وتهديد مصالح الأجانب، تمامًا كما تُتهم اليوم فنزويلا بتهديد “الاستقرار العالمي”.
ثم جاء الأسطول البريطاني، ضرب الإسكندرية، ودخلت القوات مصر بمساعدة الخديوي توفيق وبعض قيادات الجيش الخائنة، ليبدأ عهد طويل من الاحتلال والسيطرة الاقتصادية.
في سنوات الاحتلال، تم تحويل مصر إلى مزرعة قطن ضخمة لخدمة الصناعة البريطانية.
زادت مساحة القطن بنسبة 60%، لكن الصناعة الوطنية تم تدميرها، وتحول التعليم والخطاب الرسمي لترديد عبارة “مصر بلد زراعي”، في تكريس لعقدة التبعية.
أما الديون، فكانت أداة أخرى للهيمنة:
ففي عام 1880 بلغت ديون مصر 98 مليون جنيه، دفعت منها 145 مليونًا خلال 30 عامًا، ومع ذلك ظلت مديونة بـ86 مليونًا! ذهب معظم ما دفعته مصر فوائد لا أصل ديون.
أما الكذبة الشائعة بأن “مصر كانت داينة بريطانيا”، فالحقيقة عكس ذلك تمامًا.
فمصر بقيت مدينة لبريطانيا حتى عام 1943، بل وأُجبرت على إقراضها أثناء الحرب العالمية الثانية، مع نهب احتياطاتها من الذهب، نفس المنطق يُعاد اليوم في أمريكا اللاتينية.
الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب أعلن صراحة أن بلاده ستحصل على نفط فنزويلا بأسعار منخفضة، وأن الشركات الأمريكية ستستثمر 100 مليار دولار في إعادة بناء البنية النفطية هناك، ليؤكد أن العدوان اقتصادي في جوهره، مهما حاولوا تغليفه بشعارات “محاربة الإرهاب” أو “استعادة الديمقراطية”.
إن ما يجمع بين القاهرة وكراكاس ليس فقط تمثال ناصر المكسور، بل الفكرة التي مثّلها ناصر — فكرة الاستقلال، والكرامة، وبناء اقتصاد وطني مستقل عن المركز الرأسمالي العالمي.
اليوم، وبعد أكثر من خمسين عامًا على رحيله، لا تزال رسالته حيّة: أن التحرر لا يكون بالشعارات، بل ببناء اقتصاد قوي، وسلطة وطنية تمتلك قرارها، وشعب واعٍ يدرك معنى أن يكون تابعًا أو حرًا.
لقد كان ناصر يرى الصراع في جوهره اقتصاديًا،
وكان يؤمن أن السياسة بلا اقتصاد لا تساوي شيئًا،
وهذا ما تحتاجه مصر والمنطقة اليوم — وعي بطبيعة الصراع، لا انجرار وراء واجهاته.





















