تناول الكاتب الكبير محمد سلماوي في عموده اليومي “جرة قلم” بجريدة الأهرام السبت الماضي، ما وصفه بأنه بيانًا مجهلًا مضمونه خطر يتهدد ثلاثًا من أهم منشآتنا الثقافية التاريخية، دار الكتب ودار الوثائق القومية والهيئة العامة للكتاب، والخطر يتمثل في صدور أمر إخلاء من جهة سيادية، يقضي بضرورة تنفيذه خلال سنة ونصف تمهيدًا لتحويل مقرها المجمع الكائن بــ”رملة بولاق” على كورنيش النيل إلى فندق سياحي، وبحيث تنتقل مقار وملحقات المؤسسات الثلاث إلى موقع وزارة الثقافة الجديد بالعاصمة الإدارية، وانتهى “سلماوي” إلى تأكيد أن الأمر شائعة جملةً وتفصيلًا، استنادًا إلى نفي وزير الثقافة د. نيفينالكيلاني ورئيس هيئة الكتاب د. أحمد بهي الدين ورئيس دار الكتب د. أسامة طلعت.
بالتزامن، يتردد في أروقة المؤسسات الصحفية القومية، وخاصة تلك الواقعة في محيط مثلث ماسبيرو، تحديدًا مؤسسات الأهرام وأخبار اليوم ودار المعارف، أن الدولة بصدد إخلاء مقار هذه المؤسسات في مدى زمني لا يتجاوز عامين، تمهيدًا لإحلال فنادق سياحية مكانها استكمالًا لمشروع تطوير مثلث ماسبيرو، وهو ما يجري بالفعل حاليًا على ألسنة العديد من العاملين بهذه المؤسسات، ويدعمه عدة دلائل شاخصة لأكثر من ثلاثة أعوام الآن.
فقد كلف رئيس مجلس الوزراء د. مصطفى مدبولي – مطلع عام 2020 – وزيري المالية والتخطيط، وأيضًارئيس الهيئة الوطنية للصحافة ورؤساء مجالس إدارات الصحف القومية ورؤساء تحرير إصداراتها في هذا الوقت، كلفهم جميعًا بسرعة العمل على إصلاح أوضاع المؤسسات الصحفية القومية، وتطوير منظومة العمل بها، وذلك في إطار برنامج زمني محدد، يراعي ترشيدوحوكمة إنفاق هذه المؤسسات، ومحذرًا من استمرار الأوضاع كما هي عليه، ومن وقتها سار التكليف المكون من 15 بندًا على قدمٍ وساق.
تلاحق إيقاف نشر العديد من إصدارات هذه المؤسسات ورقيًا والاكتفاء بصدورها إليكترونيًا أو بصيغة PDFعلى المواقع الإلكترونية لهذه المؤسسات، وما استمر في الصدور ورقيًا جرى ترشيد مصروفاته بخفض عدد النسخ المطبوعة أو إحلال ورق أقل جودة، كما تم تحويل مجلات إلى صحف في هذا الإطار باعتبارها أقل تكلفة.
على الناحية الأخرى، توقفت التعيينات في المؤسسات الصحفية القومية، وبدأ العمل على تقييم أصولها الممتدة في عدة أنحاء بمختلف محافظات الجمهورية، وتسوية ملفاتها المعلقة بمختلف مؤسسات الدولة وفي مقدمتها الهيئة القومية للتأمينات الاجتماعية ومصلحة الضرائب، وكانت المؤسسات الصحفية القومية متوقفة لسنوات طويلة عن سداد مستحقات الدولة تأمينات وضرائب وغيرها.
أيضًا بدأ تفعيل خطة لمواكبة ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ليس فقط على مستوى تطوير البنية التكنولوجية لهذه المؤسسات ومواقعها الإلكترونية وصفحات السوشيال ميديا الخاصة بها، ولكن فيما يتعلق بمفهوم الصحافة التليفزيونيةوضرورة العمل على بث الأخبار والتقارير والحوارات الصحفية من خلال الفيديوهات المسجلة أو حتى بثًا مباشرًا في الأحداث الهامة.
وكذلك تفعيل مشروع لرقمنة تراث المؤسسات الصحفية القومية، ذلك التراث العامر بكنوز معرفية لا حصر لها، ظلت عابرة لأجيال عديدة من خلال هذه المؤسسات، وإن دارت علامات الاستفهام وهواجس الحيرة بشأنه في مناسبات عديدة، وخاصة عندما يثور الحديث عن آلام وآمال التوثيق في ظل أمارات الإهمال المتراكمة داخل هذه المؤسسات، والشاهد عليها كل مجهود بحثي يسعى لرصد فترات زمنية بعيدة في تاريخ مصر الحديث.
ساعد على هذا كله ضمن توابع انتشار وباء “كورونا” الاتجاه إلى العمل عن بعد، المواكب لرؤية الصحافة الرقمية في مجموعها والمستمر حتى الآن بما لا يفرض ضرورة تواجد الكتاب والصحفيين في مقار المؤسسات، وحتى إمكانية إجراء اجتماعات التحضير والمتابعة “أونلاين” عبر تطبيق “زووم” الأكثر انتشارًا في هذه الخاصية.
فإذا رصدت التغييرات الصحفية الأخيرة في الصحف والمواقع الإلكترونية التابعة للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، تجد أننا بصدد الاعتماد على هذه الإصدارات كصحافة قومية تمثل لسان حال الدولة، تمامًا كما حدث مع القنوات الفضائية التي حلت محل التليفزيون المصري في السنوات الأخيرة، وإذا عدت إلى تصريح وزير السياحة أحمد عيسى في يونيو الماضي، بأن مصر تحتاج إلى مضاعفة طاقتها الفندقية الاستيعابية، بحيث تصل إلى 500 ألف غرفة فندقية خلال خمس سنوات، لا تستبعد صحة شائعات تحويل مقار مؤسساتنا الصحفية والثقافية القومية إلى فنادق سياحية.
الأمر إذًا برمته يجدد القلق داخل الوسطين الصحفي والثقافي، خاصة وأن نفي المسؤولين لا يزال يدفع أكثر إلى التصديق في العقل الجمعي المصري، كما أن مشهد تسلل المحلات التجارية مؤخرًا سور قصر عابدين، وقبله مشاهد عديدة تماست مع عدد من المباني أو المرافق الأثرية والتاريخية، جميعها تؤكد أن الهوية المصرية في خطر من داخلها، وليست مهددة من الخارج فقط!.





















