تتجه الساحة السياسية في إسرائيل نحو انتخابات معقدة تسيطر عليها حالة من الغموض. يواجه حزب “الليكود” ضغوطاً متزايدة، بينما يبحث رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن أي مخرج لتأمين أغلبية الـ 61 مقعداً، في ظل ائتلاف حاكم تآكلت داخله المساحات المشتركة. وبالتوازي مع هذاالانسداد، تشهد الضفة الغربية تصعيداً ميدانياً لافتاً؛ حيث تتزايد اعتداءات المستوطنين وتشتد الضغوط على الفلسطينيين، في وقت يسابق فيه اليمين الإسرائيلي الزمن لفرض واقع جغرافي جديد بقوة الأمر الواقع.
إدارة الأزمات.. التصعيد كخيار استراتيجي
القراءة السطحية للمشهد تطرح السؤال التقليدي: “هل يفتعل نتنياهو تصعيداً جديداً للهروب إلى الأمام؟“.
لكن التحليل الأكثر عمقاً يتجاوز فكرة “طوق النجاة الشخصي“؛ ليؤكد أن التصعيد الميداني هو أداة متعمدة لإعادة هيكلة المشهد السياسي الإسرائيلي بالكامل، وفرض قواعد لعبة تُجبر المعارضة على التنافس تحت سقفها المتشدد.
بعيداً عن أي افتراضات بوجود مصادفات، فإن نتنياهو براجماتيتة المعهودة لا يحتاج لإصدار أوامر مباشرة بتفجير الموقف؛ بل يكفيه إطلاق يدحلفائه وغض الطرف عن ممارساتهم، مستغلاً تقاطع مصالح أطراف اليمين التي ترى في التصعيد فرصة سياسية:
بتسلئيل سموتريتش: يخوض معركة بقاء سياسي عبر استرضاء قواعده الأكثر تطرفاً في يمين المستوطنين.
إيتمار بن غفير: يرى في أجواء المواجهة والتوتر البيئة الخصبة لتضخيم وزنه الانتخابي.
حركة الاستيطان: تستغل الغطاء السياسي والزخم الميداني لفرض “حقائق استيطانية” يصعب تفكيكها مستقبلاً.
المشهد إذن هو نتاج “توظيف سياسي” مباشر للأزمة. فمع تصاعد عنف المستوطنين وتواطؤ أجهزة الأمن، تأتي ردود الفعل الفلسطينية لتُستغل فوراًفي تغذية “السردية الأمنية الإسرائيلية“. وهنا تكتمل الدائرة من خلال الاستفزاز الممنهج الذي يتبعه رد فعل، ليُوظف كمبرر لمزيد من القمع، مما ينتج اشتعالاً جديداً.
تحذيرات المؤسسة الأمنية
ما يؤكد هذا التوجه الاستراتيجي هو خروج تحذيرات من قلب المؤسسة العسكرية ذاتها؛ إذ كشفت تقارير أن قيادات بالجيش حذرت من انفجار وشيك بالضفة بفعل اعتداءات المستوطنين وتواطؤ الأجهزة الشرطية. هذا التحذير يضع اليد على المحرك الأساسي للأزمة: العنف الممنهج والمتروك عمداً يخلق الذرائع المطلوب لفرض سياسات أكثر بطشاً وتطرفاً.
الفوز عبر بوابة مخاوف الناخبين
في الظروف الطبيعية، سيواجه الناخب الإسرائيلي حكومته بإخفاقات 7 أكتوبر، التخبط في حرب غزة، الانهيار الاقتصادي، وأزمة تجنيد“الحريديم“. لكن بافتعال مواجهة شاملة في الضفة، يتغير جدول الأعمال السياسي تماماً، ويُجر الشارع إلى الملعب المفضل لنتنياهو عبر سؤال واحد: “من يملك القدرة على حماية أمن إسرائيل؟“.
بهذه الحيلة، لا يحتاج نتنياهو لمحو الفشل من الذاكرة، بل يخلق هاجساً أمنياً جديداً يسيطر على الواجهة ويضمن بقاءه.
تضييق المساحة على المعارضة
تتضح خطورة هذه اللعبة في رضوخ خصوم نتنياهو أنفسهم؛ إذ سارع غادي آيزنكوت — أبرز المنافسين — لإعلان رفضه القاطع لإقامة دولة فلسطينية. ورغم الخلافات الشكلية بين المعارضة والحكومة، فإن هذا التوافق حول رفض الحقوق الفلسطينية يبرز كيف نجح اليمين في حشر المعارضة في زاوية التشدد.
كما ظهر ذلك بوضوح في الرفض القاطع من أطراف المعارضة لأي أفق سياسي طرحته القائمة العربية الموحدة يتضمن حلاً للدولتين، مما يثبت أن السقف المتطرف الذي أرساه اليمين بات يحكم أي بديل سياسي قادم.
فرض سياسة الأمر الواقع
وعليه فحتى إذا تغيرت الوجوه الحاكمة مستقبلاً، فإن التحركات الميدانية الحالية — مثل طرح مناقصات بناء 1,200 وحدة سكنية استيطانية فيمنطقة (E1) — تستهدف تكبيل أي حكومة مقبلة وتغيير ديموغرافية الأرض بشكل غير قابل للتراجع.
فالسياسة الإسرائيلية لا تُدار في الكنيست فقط، بل تُصنع عبر غض الطرف عن ممارسات المستوطنين، وإغلاق ملفات التحقيق، وتوجيه الخطاب الإعلامي. ومن ثم، فإن الانتخابات القادمة قد لا تغير مسار إسرائيل، بل ستكتفي باستبدال الوجوه التي تدير نفس الإطار الاستراتيجي القائم على فرض الأمر الواقع.





















