تتداخل المعطيات الميدانية والسياسية في المشهد السوداني لتضع المبادرات المطروحة تحت مجهر التحليل، وفي هذا السياق تأتي وثيقة “عملية السلام التي نريد“، الصادرة عن القوى المدنية في أديس أبابا، لمحاولة الحد من استخدام القوة العسكرية كأداة لفرض الواقع السياسي.
مخاوف الشرعنة ومخاطر التقسيم
تنطلق الوثيقة من موقف حذر تجاه دعوة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان للحوار “السوداني–السوداني“؛ إذ تراها القوى المدنية محاولة محاطةبالمخاوف لشرعنة السلطة القائمة وإعادة تمهيد الطريق لعودة عناصر النظام السابق. وتستند هذه المخاوف إلى أن إجراء الحوار تحت هيمنة أمنيةوفي نطاق جغرافي محدد قد ينتهي بتحويل خطوط التماس العسكرية إلى حدود سياسية دائمة، مما يهدد بتقسيم البلاد بحكم الأمر الواقع.
في المقابل، يرى الفريق الداعم لمبادرة الجيش أن الحوار الداخلي يمثل خطوة ضرورية لحماية السيادة الوطنية، وتقليل الاعتماد على التدخلات الخارجية التي قد تغفل تعقيدات الواقع الميداني وتوازنات القوى على الأرض.
ثلاثية المسارات ورسم الأدوار
ولتفادي هذه المحاذير، تسعى الوثيقة إلى فصل ملفات الأزمة عبر طرح ثلاثة مسارات متوازية ومتزامنة؛ يبدأ الأول بالجانب الإنساني لحماية المدنيين وفتح الممرات، ويتولى الثاني الملف العسكري والترتيبات الأمنية لوقف القتال وتأسيس جيش موحد، بينما يُترك المسار الثالث للعملية السياسية الخاصة برسم هياكل الحكم والدستور.
ويهدف هذا التقسيم إلى تحديد أدوار الفاعلين بوضوح؛ حيث يُحصر دور الجيش وقوات الدعم السريع في الأبعاد العسكرية والإنسانية، ويتم استبعاد عناصر النظام السابق تماماً، في مقابل منح القوى المدنية والشبابية حق إدارة وتوجيه مستقبل الدولة الدستوري.
اصطدام النص بالواقع الميداني
غير أن التحدي الأكبر الذي قد يهدد هذه الرؤية هو الانفصال بين الخطاب السياسي والواقع الميداني. فالسيطرة النارية للطرفين المتصارعين على مناطق واسعة تجعل الانتقال من النصوص إلى التطبيق الفعلي مرهوناً بمدى وجود ضغط دولي وإقليمي موحد يُجبر الأطراف المسلحة على القبول بالتسوية المدنية.






















