إن التصاعد الآخير في أعمال الإرهاب والعنف التي يمارسها المستوطنون في الضفة الغربية المحتلة هو تتويج حتمي لسنوات من القرارات السياسية.
فعلى مدى العقد الماضي، قامت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بتسليح المستوطنين بلا خجل، وتجهيزهم فعلياً لتنفيذ نسختها الخاصة من الترهيب والعدوان.
إن القرار الآخير الذي اتخذه وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، بتوزيع المزيد من الأسلحة في أعقاب أحداث 7 أكتوبر، هو مجرد فصل آخر في هذه الملحمة القاتمة.
وكان الدافع دائما واضحا وضوح الشمس، تشجيع المستوطنين باعتبارهم منفذين لأجندة الحكومة الإسرائيلية، ونشر الفوضى وبث الخوف بين مجتمعاتنا الفلسطينية.
ومن خلال استخدام المستوطنين كسلاح، لا تعمل الحكومة الإسرائيلية على إدامة العنف فحسب، بل تضع أيضًا الأساس لمزيد من الهيمنة والتهجير والتطهير العرقي.
وتعطي هذه الاستراتيجية الأولوية للهيمنة على حساب حياة الفلسطينيين وسلامتهم وكرامتهم.
وترسم أحدث البيانات الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية صورة صارخة ومؤلمة للحياة في الضفة الغربية المحتلة.
فمنذ 7 أكتوبر، تعرضت المجتمعات الفلسطينية لأكثر من 700 هجوم موثق، بمتوسط يومي قدره 4 حوادث.
واقع مظلم
وخلف هذه الأرقام المخيفة تكمن حقيقة أكثر قتامة، التيار الخفي المستمر من التهديدات والمضايقات والترهيب الذي يؤدي إلى تآكل إحساسنا بالسلامة والاستقرار.
ولعل الأمر الأكثر إثارة للخوف هو تورط الجيش الإسرائيلي الذي لا يمكن إنكاره في العديد من هجمات المستوطنين هذه.
وهذا التواطؤ المثير للقلق، إلى جانب معدل الإدانة الضئيل الذي يبلغ 3% في قضايا عنف المستوطنين، يكشف عن جهد منهجي لحماية الجناة من المساءلة.
وهذه ليست أعمال عنف عشوائية، بل هي جزء من هجوم متعمد ومنظم على وجودنا ذاته، مصمم للحفاظ على قبضة الخوف والسيطرة على حياتنا.
وأثارت هجمات المستوطنين المنسقة الأخيرة على المجتمعات الفلسطينية في جميع أنحاء الضفة الغربية المحتلة الخوف في قلوبنا.
فا حدث بعد اختفاء مستوطن يبلغ من العمر 14 عاما من موقع استيطاني بالقرب من رام الله لم يكن أقل من مروع.
وخلف هجوم المستوطنين الضخم والمنظم على مجتمعات متعددة أثرًا من الدمار في أعقابه، فأضرمت النيران في المنازل، وأحرقت السيارات، وتعرضت الممتلكات للتخريب، ودفع الفلسطينيون الأبرياء، بما في ذلك صبي يبلغ من العمر 17 عاما في المغير، الثمن النهائي.
وقد وقعت هذه الهجمات تحت حماية القوات الإسرائيلية، وهو ما يمثل تذكيرًا مروعًا بديناميكيات القوة غير المتكافئة وهشاشة حياة الفلسطينيين في مواجهة هذا العدوان.
واستمرت دورة عنف المستوطنين خلال نهاية الأسبوع الماضي، وقد أبرزها بشكل مأساوي مقتل سائق سيارة إسعاف فلسطيني مؤخرًا وهو في طريقه لمساعدة ضحايا هجوم في قرية الساوية بالقرب من نابلس.
ويمثل هذا الحادث خامس حالة وفاة للفلسطينيين على أيدي المستوطنين اليهود منذ 12 أبريل.
ولقد أصبحت الحياة بالنسبة للفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة لا تطاق.
كما أن فرض الجيش الإسرائيلي لنقاط التفتيش والطرق الالتفافية، في كثير من الأحيان لتسهيل حماية المستوطنين، يخنق حرية الشعب الفلسطيني في الحركة داخل دولته.
ولا تعيق هذه الحواجز حصول الفلسطينيين على الخدمات الحيوية، مثل التعليم والرعاية الطبية فحسب، بل إنها تخنق أيضا سبل عيشهم، مما يزيد من صعوبة إعالة أنفسهم وأسرهم.
الآثار المدمرة
لقد شعرت الفلسطينيون بتأثير هذه القيود بشكل حاد، فقد أصبح مجرد التواصل بمثابة كابوس لوجستي،وهذه مجرد طريقة واحدة تمزق بها هذه السياسات نسيج حياتهم ومجتمعاتهم.
وتظهر الإحصاءات التي قدمها اتحاد الحماية في الضفة الغربية أنه في العام الماضي وحده، واجه أكثر من 4500 طفل من 117 مجتمعًا عوائق لا هوادة فيها في الوصول إلى التعليم.
وسواء كان الأمر يتعلق بالتنقل عبر نقاط التفتيش الأمنية أو تحمل التهديدات اليومية بالمضايقة والعنف أثناء رحلتهم إلى المدرسة، فإن هؤلاء الأطفال يُحرمون من الحق الأساسي في التعلم والنمو بأمان.
وقد أصبحت مدن مثل حوارة، التي كانت ذات يوم مركزًا اقتصاديًا صاخبًا للقرى المجاورة، ظلًا لما كانت عليه في السابق وسط هجمات المستوطنين المتكررة.
وقد أجبر التأثير المدمر لهذه الهجمات العديد من أصحاب الأعمال على التخلي عن سبل عيشهم والانتقال إلى مكان آخر في محاولة يائسة للبقاء على قيد الحياة.
وهذه مجرد لمحة عن الطرق العميقة التي يشكل بها إرهاب المستوطنين حياة الفلسطينيين اليومية، وهي بمثابة تنبؤ بالمستقبل القاتم الذي ينتظرنا إذا سمح لهذه الفظائع بالاستمرار دون رادع.
كما أن موجة عنف المستوطنين التي لا هوادة فيها تدفع الناس بالفعل بعيدًا عن قراهم ونحو مراكز المدن بحثًا عن الأمان.
وقريبًا، قد يجد الفلسطينيون أنفسهم محاصرين في جيوب حضرية أكثر عزلة، محاطين بالمستوطنات وشبح إرهاب المستوطنين المستمر إذا تجرأوا على المغامرة أبعد من ذلك.
لقد أصبحوا سجناء في وطنهم، وبات وجودهم في حد ذاته مهدد، بعدما واجهوا جهدًا محسوبًا لا هوادة فيه للقضاء على الوجود الفلسطيني وحقوقه في أرض أجداده.
باتوا يجدوا أنفسهم نواجه يواجهون الرعب بلا شيء سوى شجاعتهم وصلواتهم، على أمل حدوث معجزة تحميهم من الظلام الذي يلوح في الأفق.





















