أكد أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، أن القطاع المالي المصري يشهد خلال السنوات الأخيرة تحولًا استراتيجيًا كبيرًا، بعدما توسعت البنوك في تأسيس وامتلاك شركات تعمل في أنشطة التمويل غير المصرفي، سواء في مجالات التمويل الاستهلاكي أو التأجير التمويلي أو التمويل العقاري أو التمويل متناهي الصغر، وهو الاتجاه الذي لم يعد يقتصر على مصر فقط، بل أصبح نموذجًا سائدًا في العديد من الدول العربية.
وأوضح شوقي أن البنوك لم تعد تكتفي بدورها التقليدي كمؤسسات تستقبل الودائع وتمنح القروض، بل اتجهت إلى بناء كيانات مالية متكاملة تقدم مختلف الخدمات التمويلية والاستثمارية داخل منظومة واحدة، مشيرًا إلى أن هذا النموذج أصبح واضحًا في السعودية والإمارات والمغرب وقطر، إلى جانب السوق المصرية.
وأشار إلى أن السوق السعودية تضم نماذج بارزة مثل شركة الأهلي للتأجير التمويلي التابعة للبنك الأهلي السعودي، وشركة الراجحي للتمويل الاستهلاكي التابعة لمصرف الراجحي، بينما تمتلك الإمارات أذرعًا تمويلية قوية مثل «أملاك للتمويل» المرتبطة ببنك الإمارات دبي الوطني، إلى جانب شركات متخصصة في التمويل الاستهلاكي وتمويل السيارات والمدفوعات.
وأضاف أن المغرب وقطر اتجهتا أيضًا إلى النموذج نفسه، حيث تمتلك البنوك الكبرى شركات متخصصة في التمويل العقاري والتأجير التمويلي والتمويل الاستهلاكي، فيما يبرز في مصر عدد كبير من الشركات التابعة للبنوك مثل «CIB Leasing»، و«بداية للتمويل العقاري»، و«كوربليس»، و«التعمير للتمويل العقاري»، وغيرها من الكيانات التي تعمل كأذرع تمويلية واستثمارية للمصارف الكبرى.
لماذا اتجهت البنوك إلى التمويل غير المصرفي؟
وأوضح الخبير الاقتصادي أن هناك عدة أسباب رئيسية دفعت البنوك للتوسع في هذا القطاع، يأتي على رأسها النمو السريع لأنشطة التمويل غير المصرفي، خاصة التمويل الاستهلاكي والتأجير التمويلي والتكنولوجيا المالية، وهي قطاعات حققت معدلات نمو مرتفعة خلال السنوات الأخيرة.
وأضاف أن البنوك تمتلك ميزة تنافسية قوية تتمثل في انخفاض تكلفة التمويل لديها مقارنة بالشركات المالية المستقلة، ما يمنحها قدرة أكبر على تمويل الشركات التابعة لها والتوسع عبر الاستحواذات.
كما أشار إلى أن الاتجاه العالمي أصبح يعتمد على نموذج “المجموعة المالية الشاملة” أو الـ Financial Holding Groups، وهو نموذج يضم داخل الكيان الواحد بنكًا وشركات للتأجير التمويلي والتمويل العقاري والتأمين وإدارة الأصول والمدفوعات الرقمية، لافتًا إلى أن البنوك المصرية بدأت بالفعل تطبيق هذا النموذج عبر كيانات استثمارية مثل «الأهلي كابيتال» و«مصر كابيتال» و«سي آي كابيتال».
ما نتائج هذا التوسع على الاقتصاد المصري؟
وأكد شوقي أن دخول البنوك بقوة إلى القطاع المالي غير المصرفي ساهم في تعزيز قوة القطاع المالي المصري عبر زيادة رؤوس الأموال وتحسين الحوكمة ورفع كفاءة إدارة المخاطر وتوسيع قاعدة التمويل.
وأضاف أن هذا التوسع لعب دورًا مهمًا في تسريع معدلات الشمول المالي، حيث استطاعت الشركات التابعة للبنوك الوصول إلى شرائح جديدة من العملاء، خاصة أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة والمواطنين غير المتعاملين مع الجهاز المصرفي، فضلًا عن التوسع في المناطق الأقل تغطية مصرفية.
كما ساهم هذا الاتجاه في رفع حدة المنافسة بين المؤسسات المالية محليًا وإقليميًا، مع دخول البنوك في سباق لتقديم خدمات مالية متكاملة ومتنوعة.
أبرز التحديات والمخاطر
وحذر الخبير الاقتصادي من أن التوسع الكبير للبنوك داخل القطاع غير المصرفي يفرض عددًا من التحديات والمخاطر، أبرزها تشابك القطاعين المصرفي وغير المصرفي، بما قد يؤدي إلى زيادة المخاطر النظامية حال تعرض إحدى المجموعات المالية الكبرى لأزمات.
وأشار إلى وجود مخاطر تتعلق بارتفاع معدلات التركز المالي، إلى جانب مخاطر التشغيل في شركات التمويل الاستهلاكي، مؤكدًا أهمية الالتزام بحساب نسبة عبء الدين “DBR” بحيث لا تتجاوز 50% من إجمالي دخل العميل.
وشدد كذلك على ضرورة التأكد من وجود معاملات اقتصادية حقيقية داخل أنشطة التمويل الاستهلاكي، وعدم اللجوء إلى عمليات وهمية أو ما يعرف بـ«حرق السلع»، حفاظًا على استقرار السوق المالي.
مستقبل الخدمات المالية المتكاملة
واختتم أحمد شوقي تصريحاته بالتأكيد على أن البنوك المصرية لم تعد مجرد ممول تقليدي للاقتصاد، بل أصبحت تقود تدريجيًا عملية إعادة تشكيل القطاع المالي بالكامل، متوقعًا أن يشهد السوق مستقبلًا انتشار نموذج “Integrated Financial Services”، والذي يتيح للعميل الحصول على جميع الخدمات المالية من خلال كيان واحد، تشمل الحسابات البنكية والتمويل الاستهلاكي والقروض العقارية والتأمين والاستثمار والمدفوعات الرقمية داخل منظومة مالية متكاملة.






















