كشفت دراسة علمية كبيرة نشرت في قاعدة بيانات NCBI، وشملت ما يقرب من 45 ألف موظف في السويد، عن علاقة مباشرة بين الجلوس لفترات طويلة أثناء العمل دون فواصل، وبين تدهور الصحة العامة وزيادة معدلات آلام الرقبة والظهر، وتعد هذه الدراسة من أوسع الدراسات التي تناولت تأثير “سلوك الجلوس” في بيئة العمل على الصحة الجسدية والنفسية للموظفين.

الجلوس الطويل وخطر صامت في بيئة العمل الحديثة
تؤكد الدراسة أن الجلوس أصبح السلوك الأكثر شيوعًا في بيئات العمل المعاصرة، خاصة مع التحول نحو الوظائف المكتبية والتقنية. وتعرف الدراسة الجلوس بأنه وضعية يكون فيها وزن الجسم مدعومًا بواسطة المقعد بدلًا من القدمين، مع بقاء الظهر في وضع شبه مستقيم.
لكن المشكلة لا تكمن في الجلوس نفسه فقط، بل في مدة الجلوس المتواصلة دون حركة أو فواصل، وهو ما يطلق عليه “السلوك الخامل” الذي يقل فيه استهلاك الطاقة إلى مستويات منخفضة جدًا.
اعتمدت الدراسة على بيانات تم جمعها بين عامي 2014 و2019 من خلال برامج الفحوصات الصحية المهنية في السويد، وشملت 44,978 مشاركًا من العاملين في مختلف القطاعات، بنسبة 42% من النساء.
تم تحليل بيانات المشاركين حول:
مدة الجلوس في العمل
عدد مرات كسر الجلوس بالوقوف أو الحركة
الحالة الصحية العامة
آلام الرقبة والظهر
النشاط البدني
نمط الحياة (التدخين، النظام الغذائي، التوتر، مؤشر كتلة الجسم)
ماذا تقول النتائج؟
أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين يجلسون طوال وقت العمل تقريبًا دون فواصل، هم الأكثر عرضة لمشاكل صحية مقارنة بغيرهم.
فقد تبين أن:
العاملين الذين يجلسون 75% من وقت العمل أو أقل لديهم انخفاض واضح في احتمالات سوء الحالة الصحية العامة.
الأشخاص الذين يجلسون بين 25% و75% من وقت العمل كانوا أقل عرضة للإصابة بآلام الرقبة والظهر مقارنة بمن يجلسون تقريبًا طوال الوقت.
الأكثر أهمية أن كسر فترات الجلوس بانتظام (مثل الوقوف كل 30 دقيقة أو الحركة الخفيفة) ارتبط بانخفاض واضح في المشكلات الصحية.

نرشح لك: 10 رسائل فلكية لبرج العقرب اليوم الأحد 12 أبريل.. من الحب إلى المال والصحة
وبحسب الدراسة، فإن الأشخاص الذين كانوا ينهضون أو يتحركون بشكل متكرر خلال العمل، انخفض لديهم خطر التدهور الصحي العام بنسبة كبيرة مقارنة بمن نادرًا ما يقطعون الجلوس.
فواصل الجلوس وعامل وقائي مهم
أحد أهم ما توصلت إليه الدراسة هو أن الفواصل القصيرة والمتكررة أثناء الجلوس تلعب دورًا وقائيًا مهمًا.
فحتى بالنسبة للأشخاص الذين تتطلب وظائفهم الجلوس لفترات طويلة، فإن مجرد الوقوف أو التحرك لبضع دقائق كل نصف ساعة يمكن أن يقلل من المخاطر الصحية بشكل ملحوظ.
ويشير الباحثون إلى أن هذا التأثير لا يرتبط فقط بالعضلات أو العمود الفقري، بل يمتد ليشمل الصحة العامة، بما في ذلك مستوى النشاط الأيضي في الجسم والدورة الدموية.
الصحة العامة ليست مجرد غياب المرض
اعتمدت الدراسة على مفهوم “الصحة العامة المدركة ذاتيًا”، أي كيف يشعر الشخص تجاه صحته الجسدية والنفسية. وهذا المؤشر، وفقًا للأبحاث، يرتبط بشكل قوي بمعدلات الإصابة بالأمراض المزمنة والوفيات على المدى الطويل.
وقد لاحظ الباحثون أن العاملين الذين يجلسون لفترات طويلة دون حركة كانوا أكثر عرضة لتقييم صحتهم بأنها “ضعيفة” أو “متوسطة”، مقارنة بمن يدمجون الحركة في يومهم الوظيفي.
آلام الرقبة والظهر النتيجة الأكثر وضوحًا
من أبرز النتائج التي خرجت بها الدراسة هو الارتباط القوي بين الجلوس الطويل وآلام الرقبة والظهر.
فقد تبين أن الموظفين الذين يجلسون معظم ساعات العمل دون تغيير وضعيتهم كانوا أكثر عرضة للإبلاغ عن آلام متكررة في هذه المناطق، في حين أن تغيير وضعية الجسم بشكل متكرر قلل من هذه الشكوى بشكل ملحوظ.

ويرجح الباحثون أن السبب يعود إلى الضغط المستمر على العمود الفقري وضعف تدفق الدم إلى العضلات عند البقاء في وضعية ثابتة لفترات طويلة.
النشاط البدني لا يلغي مخاطر الجلوس
من النقاط المهمة التي تناولتها الدراسة أن ممارسة الرياضة خارج ساعات العمل، رغم أهميتها الكبيرة، لا تلغي بالكامل آثار الجلوس الطويل.
بمعنى آخر، حتى الأشخاص النشطين بدنيًا خارج العمل قد يتعرضون لمخاطر صحية إذا كانوا يجلسون لفترات طويلة دون حركة أثناء العمل.
لكن في الوقت نفسه، أظهرت النتائج أن النشاط البدني المنتظم يساعد في تقليل جزء من هذه المخاطر، مما يشير إلى أهمية الدمج بين الرياضة وتقليل الجلوس المستمر.
توصيات الباحثين
خلصت الدراسة إلى مجموعة من التوصيات المهمة، أبرزها:
تقليل فترات الجلوس الطويلة في العمل قدر الإمكان

كسر الجلوس كل 30 إلى 60 دقيقة بالوقوف أو الحركة
ممارسة نشاط بدني منتظم خلال الأسبوع
تقليل وقت الجلوس خارج العمل أيضًا (مثل الجلوس أمام الشاشات لفترات طويلة)
وأكد الباحثون أن بيئة العمل الحديثة تحتاج إلى إعادة تصميم تشجع على الحركة، مثل استخدام المكاتب القابلة للوقوف أو تنظيم فترات راحة نشطة
نرشح لك: هل شرب القهوة على بطن فارغة يضر المعدة فعلا؟.. الحقيقة الكاملة بين العلم والشائعات





















