يواجه آلاف المواطنين في مدينة كفر الدوار بمحافظة البحيرة واقعا طبيا مريرا، حيث تحولت منظومة التأمين الصحي إلى عبء ثقيل يثقل كاهل الموظفين وأصحاب المعاشات الذين لا يجدون سوى جدران ضيقة وعيادات متكدسة لا تفي بأدنى متطلبات الرعاية الصحية الأساسية، ويشير واقع الحال في المدينة إلى وجود أزمة إنسانية متفاقمة نتيجة غياب مستشفى مجهز قادر على استيعاب الأعداد الضخمة التي تتوافد يوميا ليس فقط من داخل كفر الدوار بل من المراكز المحيطة التابعة للمحافظة، مما أدى إلى حالة من الغضب الشعبي العارم بين المنتفعين الذين يشعرون بأنهم تركوا لمصيرهم في ظل خدمة طبية تفتقر لأبسط معايير الجودة.
يكشف محمود صديق نائب رئيس لجنة الوفد بكفر الدوار عن الوضع الراهن ومفارقة صادمة، فالمبنى المخصص لتقديم الخدمة حاليا عبارة عن عيادات صغيرة لا تتسع لخدمة سكان المدينة أنفسهم، فكيف لها أن تستقبل المحولين من القرى والمراكز المجاورة، ويؤدي هذا العجز في السعة الاستيعابية إلى طوابير انتظار تمتد لساعات طويلة أمام مكاتب الكشف، وسط حالة من التخبط الإداري الذي يفتقر للتخطيط السليم، حيث يضطر المريض في نهاية المطاف إلى الانصراف دون تلقي العلاج المناسب، مما يجعله في مواجهة مباشرة مع خيارات مؤلمة لا ترحم ذوي الدخل المحدود الذين يعتمدون على التأمين الصحي كطوق نجاة وحيد.
يتفاقم الجحيم اليومي للمرضى عندما يتعلق الأمر بالحاجة إلى إجراء عمليات جراحية أو دخول وحدات العناية المركزة، حيث يجد المنتفعون أنفسهم أمام خيار وحيد وهو التوجه إلى العيادات والمستشفيات الخاصة، وهو ما يعني تحمل تكاليف مالية باهظة تفوق قدرتهم المادية بمراحل، وتتراوح أسعار الكشف والعمليات في القطاع الخاص لمستويات تجعل من راتب الموظف البسيط أو معاش المسن مبلغا زهيدا لا يكفي لتغطية استشارة طبية واحدة، مما يضع آلاف الأسر في مأزق مالي يضطرهم للاستدانة أو العجز عن استكمال العلاج الضروري لحياتهم، وهو ما يمثل انتقاصا صريحا من حقوقهم في رعاية طبية آدمية.
يستمر أهالي كفر الدوار في توجيه نداءات استغاثة عاجلة بشأن مستشفى التأمين الصحي الوحيد الذي لا يزال قابعا في حالة توقف إنشائي منذ سنوات طويلة، فرغم تخصيص الميزانيات واعتماد المشروعات إلا أن البناء يظل شاهدا على إهدار الفرص وتجميد الموارد التي كان من الممكن أن تنقذ أرواح الكثيرين، ويتساءل المواطنون عن الأسباب الحقيقية وراء هذا التعثر المزمن الذي حول صرحا طبيا كان من المفترض أن يكون ملاذا للمرضى إلى مجرد هيكل خرساني مهجور لا يقدم ولا يؤخر، وسط غياب تام للرقابة الحاسمة أو المساءلة عن هذا التأخير غير المبرر.
يؤكد المتضررون أن استمرار هذا الوضع يمثل إخلالا جسيما بدور المؤسسات الصحية في توفير الحماية الاجتماعية للمواطنين، إذ لا يمكن تصور استمرار الخدمة الطبية بهذا المستوى الهزيل بينما تتزايد الاحتياجات السكانية يوما بعد يوم، وتطالب الأصوات بضرورة التدخل السريع من الجهات الرقابية العليا لإنقاذ المنظومة الصحية في البحيرة وإتمام أعمال البناء في المستشفى المتعثر لضمان تقديم رعاية تليق بكرامة المواطن المصري وتنهي حقبة المعاناة التي يعيشها أصحاب التأمين الصحي الذين لم يعودوا يحتملون وعودا إضافية بلا تنفيذ.
وقد حاول موقع “الحرية” التواصل مع الجهات المعنية والإدارات المختصة بالتأمين الصحي للحصول على رد رسمي يوضح أسباب توقف المستشفى والحلول المقترحة للأزمة، إلا أننا لم نتلق أي استجابة أو توضيح يضع حدا لهذه التساؤلات المشروعة، ونؤكد أن حق الرد مكفول للجهات كافة في أي وقت، وذلك حرصا على عرض كافة الحقائق أمام الرأي العام وضمان الشفافية المطلقة في تناول هذا الملف الحساس الذي يمس صحة وحياة آلاف المواطنين في مدينة كفر الدوار.





















