قال الكاتب السياسي إسلام بهي الدين إن ثورة 30 يونيو تمثل حدثًا سياسيًا كبيرًا ومؤثرًا في تاريخ مصر الحديث، معبرًا عن اعتقاده بأنها شهدت تعبير قطاع واسع من المصريين عن عدم رضاه عن أداء الحكم آنذاك، معتبرًا أن ما جرى منذ عام 2011 يمثل مسارًا سياسيًا واحدًا بدأ بثورة 25 يناير، وكانت 30 يونيو إحدى محطاته الرئيسية.
دعوة لإجراء مراجعة موضوعية بعد مرور 13 عامًا
وأضاف بهي الدين، خلال تصريحات خاصة لـ”الحرية”، أنه بعد مرور 13 عامًا على الثورة، من حق المصريين إجراء مراجعة هادئة وموضوعية لهذه المرحلة بكل ما حملته من آمال وإنجازات وإخفاقات، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية الراهنة، التي نعيشها اليوم.
وأوضح أن 30 يونيو غيّرت مسار الدولة المصرية سياسيًا ومؤسسيًا، وأعادت تشكيل المشهد الداخلي بصورة كاملة، حيث انتهت مرحلة وبدأت أخرى مختلفة في شكل الحكم وطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، كما ترتبت عليها تحولات كبيرة في الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية، لا تزال آثارها ممتدة حتى اليوم.
تقييم المشروعات القومية ومعادلة الديون والتنمية
وفي حديثه عن “الجمهورية الجديدة”، قال بهي الدين إنه إذا اعتُبر المصطلح الوصف الرسمي للمرحلة التي أعقبت 30 يونيو، فإنها شهدت إعادة بناء واسعة للبنية التحتية وتنفيذ مشروعات قومية كبيرة وإعادة تشكيل العديد من مؤسسات الدولة، لكنه شدد على أن تقييم هذه التجربة يجب أن يكون موضوعيًا ومتوازنًا.
وأشار إلى وجود علامات استفهام مشروعة حول الجدوى الاقتصادية لبعض المشروعات الكبرى وتوقيت تنفيذها، خاصة أن جزءًا كبيرًا منها جرى تمويله عبر الاقتراض، وهو ما أدى، بحسب قوله، إلى ارتفاع مستويات الدين العام وزيادة الأعباء المالية على الدولة والمواطنين، لافتًا إلى أن عددًا من هذه المشروعات لا يحقق بطبيعته عوائد اقتصادية سريعة، بما خلق ضغوطًا على الاقتصاد المصري في ظل تحديات التضخم وتراجع قيمة العملة وارتفاع تكلفة المعيشة.
وأكد أن إدارة ملف الديون يجب أن تقوم بالأساس على تنشيط الإنتاج وزيادة الصادرات وجذب الاستثمارات وتحسين كفاءة الاقتصاد، وليس على التوسع في بيع الأصول العامة لسداد الالتزامات المالية، باعتبار أن الأصول الاستراتيجية تمثل جزءًا من ثروة الأجيال الحالية والقادمة.
وأضاف أن أي “جمهورية جديدة” لا تكتمل بالمشروعات العمرانية والبنية التحتية وحدها، وإنما تحتاج أيضًا إلى تنمية اقتصادية مستدامة، ومشاركة سياسية أوسع، ومؤسسات قوية، ومجال عام يسمح بالحوار والنقد والمساءلة، حتى يشعر المواطن بأن التنمية تنعكس بصورة مباشرة على جودة حياته ومستقبله.
أهمية الأمن المجتمعي والإنساني لاستكمال الاستقرار
وحول استعادة الأمن والاستقرار، قال بهي الدين إنه لا يمكن إنكار نجاح الدولة بدرجة كبيرة في استعادة السيطرة الأمنية مقارنة بحالة الاضطراب التي عاشتها البلاد في السنوات السابقة، موضحًا أن مفهوم الاستقرار لا يقتصر على الأمن بمعناه التقليدي، بل يشمل كذلك الاستقرار الاقتصادي والسياسي والمجتمعي.
وأضاف أن أخطر وأهم أنواع الأمن هو الأمن والسلام المجتمعي، أي شعور المواطن بالأمان النفسي والاجتماعي والاقتصادي، ووجود مجتمع متماسك يتمتع بالأمل والثقة في المستقبل، مشيرًا إلى أن المجتمع لا يزال يواجه تحديات كبيرة في هذا الإطار.
وأوضح أن السنوات الأخيرة شهدت ظهور ظواهر مقلقة بدرجة أكبر، مثل تكرار حالات الانتحار، والضغوط المعيشية، وتراجع مستويات التعليم والخدمات الصحية، مؤكدًا أن هذه العوامل تركت آثارًا واضحة على سلوك قطاع من المجتمع، خاصة الشباب وصغار السن، في ظل تزايد مظاهر الغضب المجتمعي والاحتقان والعنف والسلوكيات السلبية مثل البلطجة والتحرش.
وأكد أن الدولة حققت إنجازًا أمنيًا مهمًا على مستوى استعادة السيطرة ومواجهة التهديدات الأمنية، إلا أن استكمال مفهوم الاستقرار الحقيقي، من وجهة نظره، يتطلب اهتمامًا أكبر بالأمن المجتمعي والإنساني من خلال تحسين الأوضاع المعيشية، والارتقاء بالتعليم والصحة، وخلق بيئة تمنح الشباب الأمل والفرص والشعور بالانتماء والأمان تجاه المستقبل.
وفيما يتعلق بملف مكافحة الإرهاب، قال بهي الدين إن مصر شهدت خلال السنوات الماضية مواجهة أمنية وعسكرية واسعة، وتمكنت الدولة من الحد بدرجة كبيرة من العمليات الإرهابية التي كانت تمثل تهديدًا خطيرًا للأمن القومي، لكنه شدد على أن مكافحة الإرهاب لا ينبغي أن تكون أمنية فقط، وإنما تحتاج أيضًا إلى معالجة فكرية وتنموية وسياسية، لأن بناء مجتمع قوي ومتماسك ومشارك سياسيًا يعد أحد أهم عوامل حماية الدولة من التطرف.
ووجه بهي الدين رسالة إلى الشباب في ذكرى 30 يونيو، دعاهم خلالها إلى قراءة تاريخ بلادهم بكل تعقيداته والاستماع إلى مختلف وجهات النظر دون تعصب أو تخوين، مؤكدًا أن مصر دفعت أثمانًا كبيرة خلال سنوات الاستقطاب والصدام، وأن المطلوب هو التعلم من التجربة والتمسك بالحوار والتعددية والتغيير السلمي واحترام الاختلاف، لأن الأوطان، بحسب تعبيره، لا تُبنى بالانقسام، بل بالتوافق والعمل المشترك والإيمان بالمستقبل.






















