بعد أن تحدثنا في إطار المسألة السياسية المصرية عن أهمية الاستفادة من الثراء السياسي لحقبة ما قبل وما بعد ثورة 25 يناير المجيدة، ثم عن ضرورة التوازن والتكامل بين أطراف معادلة “الحياة السياسية” و”السلطة السياسية” و”الدولة المصرية”، نطرح اليوم “سؤال عام 2005 السياسي”، وهو سؤال حول الدافع وراء إجراء أول انتخابات رئاسية تعددية في تاريخ مصر؟ سؤال حول الدافع وراء إجراء انتخابات برلمانية تحصد فيها “المعارضة” فجأة وبدون أي مقدمات على هذه الحصة الكبيرة من المقاعد؟
وتكمن أهمية الإجابة عن هذا السؤال في كونها تقدم لنا تفسيرًا هامًا لما حدث بعد ذلك في انتخابات برلمان 2010 التي أعقبتها ثورة 25 يناير، ثم ثورة 30 يونيو وما بعدها.
غير أن إجابة سؤال عام 2005 السياسي، وللأسف الشديد، لن نجدها في الداخل السياسي المصري، وإنما تقودنا إلى أسباب خارجية تتعلق بالمشهد السياسي الإقليمي والعالمي، لا يتسع المجال هنا للخوض فيها، لكن الأمر الهام فيها أنها تكشف لنا جوهر إشكالية المسار الديمقراطي الوطني.
وذلك لأن انتخابات 2005 الرئاسية والبرلمانية لو كانت قد جاءت استجابةً لمسار ديمقراطي وطني، وخارطة طريق وطنية توافقية للإصلاح السياسي التدريجي، وليس استجابةً لضغوط خارجية، ما كان حدث كل ما حدث في 2010 وفي 2011 وفي 2013 وما بعدها من ثورات وأحداث ومواجهات وأزمات وتداعيات وصعوبات مرت بها الدولة المصرية.
هذه هي نقطة البدء ونقطة الأساس في المسألة السياسية المصرية؛ لأن وجود مسار ديمقراطي وطني، وخارطة طريق وطنية توافقية للإصلاح السياسي التدريجي، كان سيسمح للقوى السياسية الوطنية بالعمل والانتشار، ومد قنوات الاتصال بمختلف طبقات وفئات المجتمع، وبالتالي حماية الدولة المصرية من أي تداعيات سلبية للأحداث الثورية (التي ما كانت لتقع)، ومن أي قوى غير وطنية، ومن خطف هذه القوى غير الوطنية لثورة شباب مصر “الورد اللي فتح في جناين مصر”، ومن الأعمال التخريبية والإرهابية، ومن فترة عدم الاعتراف الخارجي والاختلاف حول طبيعة ما شهدته الدولة المصرية من أحداث ومواجهات في 30 يونيو، والذي امتد لفترة غير قليلة قبل أن يتم التغلب عليه بصعوبة، والتداعيات الاقتصادية الكارثية، ذلك فضلاً عن تهديد الأمن المائي المصري.
فالتحدي السياسي الحقيقي الذي ظهر في آخر عهد الرئيس مبارك إنما تمثل في السؤال الديمقراطي الأساسي حول آلية وكيفية “انتقال السلطة”.. تلك السلطة التي جاءت في 1952 عبر ثورة، ثم باختيار ناصر للسادات، ثم اختيار السادات لمبارك، غير أنها لم تجد لها إجابة على سؤال: من الذي سيخلف مبارك -الذي لم يعين له نائباً- وكيف؟ ما ترك هذا السؤال الهام بدون إجابة، رغم أنه من نوعية الأسئلة التي لا يحتمل الأمن القومي المصري تركها بدون إجابة.
وهنا ومع تقدم مبارك في السن ظهر “ملف التوريث” الذي كان بمثابة إهانة لمصر وللمصريين.
فلم تكن إشكالية الشعب المصري السياسية تتعلق برفض توجه سياسي أو شخصية سياسية، ولم تكن الإشكالية اقتصادية ولا اجتماعية، بقدر ما كانت إشكالية الشعب المصري في هذه الآلية.. أن يتم “توريث حكم مصر” فمصر ليست ملكية.
ذلك فضلاً عمَّا تردد وقتها من “أحاديث” عن “صفقة التوريث” بين الحزب الوطني والإخوان، باعتبار الجماعة هي الوحيدة القادرة على جعل التوريث أكثر صعوبة، والتي تسعى لتحقيق مكاسب سياسية عبر تمريره، ما أشعر الشعب المصري أنه بلا أي وزن ولا اعتبار فيما يتعلق بمن يحكمه، وذلك بغض النظر عن الجدل حول مدى جدية هذا “التوريث” أو هذه “الصفقة”.
والآن، عندما ننظر لهذا المسار السياسي الذي شهدته الدولة المصرية على مدار أكثر من 20 عاماً، بداية من عام 2005، والذي شهد ستة انتخابات برلمانية، وخمسة انتخابات رئاسية، وستة استفتاءات دستورية، المسار الذي شهد صعوداً وهبوطاً في حدة وقوة المنافسة والمشاركة السياسية وضعفها، فإن سؤال عام 2005 السياسي يطل علينا من جديد ليسأل: هل كان السعي عبر هذا المسار السياسي الشاق، بما يتضمنه من أحداث غير مسبوقة في تاريخ مصر السياسي من ثورات وانتخابات رئاسية وبرلمانية واستفتاءات دستورية، سعياً لكي تكون مصر ديمقراطية؟ أم لكي تبدو ديمقراطية؟.
فالقضية هنا قضية “إرادة”، الإرادة التي تضعنا على الطريق الصحيح وفي الاتجاه الصحيح، ولا يهم بعد ذلك طول الطريق أو مشقته؛ لأنه حينها ستكون المشقة من أجل مستقبل مصر، ومن أجل أن تحيا مصر أفضل، وكنا سنجد على الطريق علامات تدل على ذلك، علامات ليس فقط للجيل الحالي وإنما أيضاً -وهذا الأهم- للجيل التالي، الذي سيتسلم الراية ليُكمل طريق مستقبل الوطن.
والإرادة هنا سياسية، لكنها ليست إرادة سلطة أو دولة فحسب، وإنما أيضاً إرادة قوى سياسية وحياة سياسية، فهي إرادة سياسية مشتركة؛ وذلك لأننا منذ عام 2005 قد شهدنا فترات انتقلت فيها السيطرة السياسية للحياة السياسية والقوى السياسية، وهنا أصبحت القوى السياسية شريكة في تشكيل هذا المشهد السياسي، وبالتالي في هذه الإرادة السياسية، ولذلك فهي شريكة في تحمل المسؤولية السياسية عنها.
وهذه نقطة جوهرية في المسألة السياسية المصرية، وهنا أيضاً مكمن الخطر السياسي؛ لأن السلطة والدولة هي التي تشكل المشهد السياسي الحالي الذي نسعى لإصلاحه، فيما الحياة السياسية والقوى السياسية فتمثل المستقبل المنشود لمشهد سياسي أفضل، وهي من يُعوَّل عليها في الدفع باتجاه الإصلاح السياسي.
فعندما تكون القوى السياسية والحياة السياسية شريكة في إرادة حالة “نريد أن نبدو لا أن نكون”.. نريد أن تبدو ديمقراطية لا أن تكون ديمقراطية.. نريد أن تبدو تنافسية لا أن تكون تنافسية.. نريد أن تبدو معارضة لا أن تكون معارضة حقيقية.. فإننا نكون أمام كارثة سياسية وخطر سياسي يجب الانتباه له.
الانتباه له بالتعلم من درس عام 2005 السياسي.





















