ها هو الموسم يقترب.. موسم ظهور الكائنات البرلمانية من جديد.
ذلك الفصل السياسي الذي لا يشبه أيًّا من فصول السنة؛ إذ تتفتح فيه أوراق الوعود كما تتفتح أزهار البلاستيك — زاهية اللون، خالية الرائحة — وتتحرك الكائنات التي كانت في سباتٍ عميق طوال السنوات الماضية، فإذا بها تنهض فجأة كمن أُعيد إلى الحياة بدفعةٍ انتخابيةٍ منشطة!
ذلك الفصل النادر الذي لا تسجله الأرصاد، بل تلتقطه عدسات الوعي. موسم لا يُشبه الخريف ولا الربيع، بل يجمع خصائصهما معًا: سقوط أوراق الوعود القديمة، وتفتح أزهار الخطب الجديدة.
في هذا الموسم، تتحرك الكائنات البرلمانية كما تتحرك الزواحف بعد سباتٍ طويل في جحورها الدافئة. تخرج ببطء، تتشمم رائحة السلطة في الهواء، وتبدأ بالزحف نحو الضوء الانتخابي الذي طال غيابُه. الكاميرات تترصّدها كعدسات ناشيونال جيوغرافيك في غابةٍ سياسيةٍ غامضة؛ تُراقب التحولات السريعة في سلوكها، وتوثق مشاهد التزاوج الخطابي بين المال والكلمة، بين الوعود والرغبات، بين الكراسي والضمائر.
تبدأ طقوس التجمّل؛ تُبدّل الكائنات جلودها القديمة، تتزيّن بلغة جديدة، وتطلق أصواتًا شجية تشبه تغريد الطيور قبل العاصفة.
فهذا يعد بالعدل، وذاك يقسم باسم الوطن، وثالث يبتسم بوجهٍ يفيض بالإنسانية المصطنعة.
اقرأ أيضًا: عمرو عبد الرازق تعلب يكتب: المدينة المزورة
لكن خلف الكاميرا، يرى المراقب أن تلك الأصوات ليست أناشيد حب للوطن، بل أصوات نداء التزاوج السياسي التي تسبق موسم الاقتراع.
وعند الغروب، تُرى الجموع في مشهدٍ بانورامي:
الناس في الشوارع، اللافتات معلقة، الألوان تتصارع، الشعارات تتطاير كأجنحة فراشات ميتة تبحث عن ضوءٍ أخير قبل الاحتراق.
وفي اللقطات القريبة، تظهر وجوهٌ مألوفة كانت غائبة، تتحدث الآن بلغة جديدة، وتلوّح بيدٍ لم تمتد لأحد منذ سنوات.
إنها الهجرة الدورية للكائنات البرلمانية
تنتقل من مكاتبها إلى الأسواق، من صمتها إلى ضجيجها، من الترف إلى التواضع المصطنع. تتغذى على كاميرات الإعلام، وتتكاثر بالتصريحات، وتستمد طاقتها من سذاجة بعض الجماهير التي ما زالت تؤمن أن في كل موسمٍ جديد يمكن أن يولد أملٌ مختلف.
أما العلماء في مختبرات الوعي السياسي، فيرصدون الظاهرة بدهشةٍ ساخرة:
كيف يتشابه هذا الموسم مع مواسم الطبيعة البرية؟ كيف تتكرر دورة الحياة السياسية بذات الطقوس؟ وكيف يظل الشعب هو البيئة الحاضنة التي تسمح لهذا النوع بالاستمرار دون انقراض؟
غريزة البقاء السياسي
في هذا الموسم العجيب، تُسمع أصوات لم تكن تُسمع، وتُرى وجوه لم تكن تُرى، وتنتشر الابتسامات في الشوارع كما تُنثر الإعلانات في الفضاءات العامة. الجميع يتحدث بلغة الشعب، الكلّ يتسابق إلى إظهار الحنوّ على الفقراء، والاهتمام بالوطن، والخوف على مصير الأمة. لكن المتفرج الواعي يعرف أن هذه اللغة ليست نابعة من القلب، بل من غريزة البقاء السياسي.
تتحرك الكائنات البرلمانية في مشهد استعراضي أقرب إلى السيرك منه إلى المسرح الديمقراطي. يبدؤون بإطلاق البالونات اللفظية: “سنحارب الفساد”، “سنعيد العدالة الاجتماعية”، “سنقف مع الشباب”— ويمضون، كما لو أن الذاكرة الجمعية للشعب قد مُسحت تمامًا في الليلة السابقة!
إنها مهارة التمثيل السياسي في أبهى صورها، إذ يتقن هؤلاء فنّ التحوّل من الغياب إلى البطولة في لحظة واحدة، كما يتقن الحرباء فنّ التلوّن تبعًا للخلفية التي تقف عليها.
تطور الكائنات البرلمانية
في هذا الموسم ، يبدو أن الكائنات البرلمانية قد تطورت؛ لم تعد تكتفي بالشعارات القديمة، بل استعانت بذكاء اصطناعي ووسائل تواصل اجتماعي وخبراء في الصورة الرقمية. صارت الوعود تُقدَّم في مقاطع مصقولة الإخراج، والابتسامة تُعالج بالفلاتر، وحتى ” الصدق” صار يُدار عبر برامج التحرير!
أما الشعب، ذلك الكائن البشري الذي يُفترض أنه الأصل في المعادلة، فقد صار يدرك اللعبة جيدًا. لم يعد يُخدع بسهولة، لكنه ما زال متفرجًا حائرًا بين الأمل واليأس، بين التصويت والعزوف، بين المشاركة والمقاطعة. هو يعلم أن كثيرًا من هذه الكائنات لا تظهر إلا موسمًا ثم تختفي في كهوف السلطة أربع سنوات، لا يُسمع لها صوت إلا حين يحين موعد الصيد الانتخابي المقبل.
يُقال إن الأمم تُقاس بمدى وعي شعوبها، وإن البرلمانات مرآة الشعوب، لكن ماذا لو كانت المرآة مكسورة؟ ماذا لو صارت تُعيد إنتاج نفس الصور المشوهة في كل موسم جديد؟
الاستهلاك السياسي
إن موسم الكائنات البرلمانية ليس موسمًا للسياسة، بل موسم للاستهلاك السياسي؛ تُباع فيه الوعود بالتقسيط، وتُشترى فيه الأصوات بالنوايا الحسنة أو بالفتات المادي، ويُعاد فيه تدوير نفس الخطابات التي ملّها التاريخ.
ومع نهاية الموسم، عندما تُعلن النتائج، تختفي الكائنات مجددًا في جحورها الوثيرة تطوي أجنحتها، وتغلق فمها الذي لم يتوقف عن الوعود، لتنام أربع سنوات أخرى في سلامٍ بارد في انتظار موسم جديد…
حين تعود من جديد لتعلن للكاميرات أنها لم تمت، بل كانت فقط “تستعد لخدمة الوطن”.
ورغم كل ذلك، يبقى في الأفق بصيص ضوء. فكما أن الطبيعة لا تستمر على فصل واحد، فإن الوعي الشعبي يتبدل هو الآخر. ربما يأتي موسم آخر — لا لظهور الكائنات البرلمانية — بل لولادة الإنسان البرلماني الحقيقي: من لا يبيع صوته ولا يشتريه، من لا يظهر موسمًا ويختفي دهورًا، من يحمل همّ الناس لا همّ المقعد.
حتى ذلك الحين، فلنُرحب — على مضض — بهذا الموسم، موسم ظهور الكائنات البرلمانية من جديد…
لكننا هذه المرة لن ننبهر بالألوان الزاهية، بل سننظر إلى ما وراء الجلد السياسي المصقول، علّنا نميّز بين الكائن والإنسان، بين الممثل والنائب.






















