قليلة هي الشخصيات في التاريخ المعاصر التي أثارت قدراً من الجدل والدهشة والإعجاب مثلما أثار الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات.
لم يكن مجرد رئيس تولى مقاليد الحكم خلفاً لزعيم كاريزمي استثنائي كجمال عبد الناصر، بل كان مدرسة سياسية قائمة بذاتها، نسجت خيوطها من طين القرية المصرية، وعبرت زنازين الاحتلال البريطاني، ثم استقرت في قصر الرئاسة لتدير أعقد صراع دولي وإقليمي في الشرق الأوسط.
كان السادات قارئاً استراتيجياً متفرداً للواقع السياسي الدولي، امتلك بصيرة سبقت عصره، فجمع بين بسالة القائد العسكري الذي يخوض حرب التحرير باقتدار، وبراعة السياسي الداهية الذي يوظف السلاح ليصنع سلاماً مستداماً يستعيد به الأرض كاملة دون التفريط في حبة رمل واحدة.
الجذور والتكوين: عقيدة “الفلاح الصبور” والزنزانة 54
لا يمكن فهم عقلية السادات وفلسفته دون العودة إلى منبعه الأول في قرية “ميت أبو الكوم” بمحافظة المنوفية. هناك، تشرب السادات طقوس الفلاح المصري: الصبر الطويل، والارتباط الوثيق بالأرض، والقدرة على استشراف الفصول وتقلبات الطقس، وإدراك متى تُبذر البذور ومتى يُحصد الزرع.
كان السادات يفخر دائماً بجذوره الريفية، وجعل من حكمة الفلاح مرجعية استراتيجية تمنحه هدوءاً وثباتاً انفعالياً نادراً وسط أشد العواصف السياسية وتعقيدات الحكم.
أما البعد الثاني في تكوينه العقائدي والنفسي، فكان تجربة السجن والاعتقال السياسي إبان حقبة الاحتلال البريطاني، وتحديداً عزلته الطويلة في الزنزانة 54. في تلك الزنزانة الضيقة، خاض السادات معركة اكتشاف الذات والتحرر الداخلي؛ فتصالح مع نفسه، وتعمق في قراءاته الروحية والفلسفية، واكتسب قدرة فائقة على الانعزال الذهني للتفكير بهدوء وتحليل المشهد من زوايا غير مألوفة في أصعب المواقف.
ومن هذا المزيج المتناغم—عقيدة الإيمان الراسخ بالله، وجذور الفلاح الثابت في أرضه، وعزيمة السجين الباحث عن الحرية—تشكلت شخصية سياسية لا تهاب المخاطرة المحسوبة، ولا تعبأ بالقوالب النمطية، وتملك شجاعة استثنائية لاتخاذ القرار المصيري حتى وإن عارضه الجميع في البداية.
وراثة التحدي وترتيب البيت الداخلي
حين رحل جمال عبد الناصر فجأة في سبتمبر 1970، تسلم السادات بلداً يعيش وطأة مرارة هزيمة 1967، واقتصاداً مستنزفاً يرزح تحت أعباء حرب الاستنزاف المستمرة، وجيشاً يواصل إعادة البناء في مواجهة عدو يزداد غطرسة وتصلباً بتفوقه العسكري المطلق. في تلك اللحظات الحرجة، نظر الكثيرون في الداخل والخارج إلى السادات بوصفه رئيساً انتقالياً مؤقتاً لن يصمد طويلاً في وجه التيارات الحزبية ومراكز القوى المتصارعة.
إلا أن السادات، بحنكته وصبره الهادئ، فاجأ المشهد السياسي بأكمله بما عُرف بـ ثورة التصحيح” في 15 مايو 1971؛ حيث أطاح بتلك المراكز التي كانت تعيق حرية اتخاذ القرار الوطني، وقضى على دولة الحراسات والاعتقالات العشوائية، وأحرق بنفسه ملفات التنصت الأمني، وأصدر الدستور الدائم لمصر لسيادة القانون. كان يدرك بيقين تام أنه يستحيل خوض معركة تحرير مصيرية ضد عدو خارجي دون تطهير الجبهة الداخلية، وضمان وحدة القيادة، وتوفير بيئة دستورية تمنح المواطن ثقة كاملة في دولته ومؤسساتها.
الفكر السياسي: استيعاب التوازنات الدولية وفك الارتهان السوفيتي
كانت قراءة السادات لمسرح السياسة الدولية واقعية وصارمة؛ إذ أيقن مبكراً أن الاتحاد السوفيتي حريص على إبقاء منطقة الشرق الأوسط في دائرة “لا حرب ولا سلم” بما يخدم مصالحه التكتيكية كقطب دولي يتقاسم النفوذ مع الولايات المتحدة، دون أن يقدم لمصر السلاح الهجومي النوعي الكافي لحسم معركة العبور.
كما استوعب السادات حقيقة أن مفاتيح التحرك والضغط الفعلي على تل أبيب تقبع بنسبة كبرى في العاصمة الأمريكية واشنطن.
وانطلاقاً من هذه القراءة العميقة، اتخذ في يوليو 1972 قراره التاريخي الجريء بإنهاء مهمة الخبراء العسكريين السوفيت في مصر. بدا هذا القرار في حينه لكثير من المحللين وكأنه انتحار عسكري غير مفهوم، لكنه في حقيقة الأمر كان مناورة استراتيجية متعددة الأهداف: تمصير القرار العسكري كاملاً ليكون النصر خالصاً بإرادة مصرية، وتضليل أجهزة استخبارات العدو لإقناعهم بأن الجيش المصري فقد قدرته القتالية وأصبح عاجزاً عن شن أي هجوم، فضلاً عن فتح أبواب الاتصال والتوازن مع القوى الغربية استعداداً لمرحلة ما بعد الحرب.
تحرير الأرض: كسر نظرية الأمن الإسرائيلي
لم يكن السادات يرى في القوة العسكرية غاية بحد ذاتها، بل اعتبر الحرب أداة ضغط استراتيجية لتحريك مياه السياسة الآسنة وتحقيق أهداف وطنية كبرى. كان هدفه العسكري من حرب أكتوبر يرتكز على نسف أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”، وتحطيم نظرية الأمن الإسرائيلي التي قامت على فرضية استحالة اجتياز مانع قناة السويس وخط بارليف، ودفع القضية من خانة النسيان إلى صدارة أولويات العالم.
أدار السادات تحضيرات المعركة بأقصى درجات الكتمان والانضباط، ونسق مع القيادة السورية بدقة، وصمم مع هيئة العمليات والقوات المسلحة أضخم خطة خداع استراتيجي في العصر الحديث. وعند حلول الساعة الثانية من ظهر السادس من أكتوبر 1973، أصدر أمره الخالد ببدء الهجوم؛ لتبدأ ملحمة العبور، وإسقاط الحصون، وشل فاعلية الطيران المعادي تحت مظلة حائط الصواريخ الباسل.
أظهر السادات خلال أيام المعركة ثباتاً نفسياً وفولاذياً؛ وحين أقامت الولايات المتحدة جسراً جوياً هائلاً ومباشراً لدعم إسرائيل بأحدث التقنيات لإنقاذها من الانهيار، تعامل السادات مع الموقف بمسؤولية وطنية وحكمة بالغة؛ حيث أعلن أنه خاض الحرب وانتصر على إسرائيل، لكنه لن يورط جيشه وشعبه في معركة تدميرية مفتوحة ضد القوة العظمى الأولى في العالم، بعد أن أتم الجيش المصري مهمته بنجاح باهر وتمركزت قواته بثبات داخل عمق سيناء.
عبقرية الانتقال: من ميادين النيران إلى منصة الكنيست
تجلت عظمة السادات في إدراكه للّحظة الزمنية الفاصلة التي يتحتم فيها ترجمة الانتصارات الميدانية إلى منجزات دبلوماسية وسياسية تحافظ على الدم والأرض معاً. كان يؤمن أن الجيوش تكسر الجمود وتحرر المواقع، لكن استرداد السيادة الشاملة وضمان أمن الأوطان يتطلبان شجاعة سياسية توازي شجاعة القتال.
وفي نوفمبر 1977، فاجأ السادات العالم أجمع بإعلانه من تحت قبة مجلس الشعب المصري عن استعداده للمضي قدماً في مبادرة سلام غير مسبوقة، والذهاب إلى عقر دارهم في القدس لمخاطبة الكنيست الإسرائيلي والشعب الإسرائيلي والعالم بأسره. لم تكن تلك الخطوة ضعفاً، بل كانت هجوماً سياسياً كاسحاً بأدوات السلام؛ جردت تل أبيب من حجتها التاريخية القائمة على دور الضحية، ونقلت الصراع إلى ساحة الشرعية الدولية.
ومن فوق منصة الكنيست، تحدث السادات بلغة النصر والكرامة؛ وأكد بوضوح قاطع أنه لم يأتِ لعقد سلام منفرد أو استسلام جزئي، بل جاء ليؤسس لسلام دائم وشامل وعادل يقوم على الانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة عام 1967، والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني الأصيل في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.
ملحمة كامب ديفيد واسترداد كامل التراب الوطني
قادت مبادرة السادات إلى مسار تفاوضي عسير وشديد التعقيد، تكلل بمفاوضات منتجع كامب ديفيد عام 1978 برعاية الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، وصولاً إلى توقيع معاهدة السلام في مارس 1979.
خاض السادات جولات التفاوض أمام ساسة إسرائيليين عُرفوا بالتشدد والتصلب بقيادة مناحم بيجين، واستطاع بحنكته وبراعته القانونية والتكتيكية أن يثبت الحق المصري دون تراجع، محققاً انسحاباً كاملاً وغير مشروط من كل شبر في شبه جزيرة سيناء. ورغم المقاطعة العربية والعواصف السياسية التي رافقت المعاهدة في حينها، إلا أن التاريخ أثبت لاحقاً دقة بوصلته وصواب رؤيته؛ فبينما استعادت مصر كامل أراضيها وثرواتها النفطية والسياحية وعادت سيناء إلى حضن الوطن، ظلت جبهات أخرى أسيرة الشعارات والاحتلال لعقود طويلة.
ملامح الفكر الساداتي وإرثه الخالد
تمحورت عقيدة وفلسفة السادات السياسية حول ركائز واضحة صنعت أثره الدائم في التاريخ:
تجلت أولى هذه الركائز في البراغماتية والواقعية الوطنية؛ حيث وضع المصلحة العليا للدولة المصرية وسيادة أراضيها فوق أي شعارات أيديولوجية مستنزفة. كما تميز بقدرته الفائقة على تطويع الأدوات المتناقضة؛ فاستخدم الحرب لفتح طريق السلام، واستخدم معاهدة السلام لترسيخ وحماية نتائج الحرب على أرض الواقع.
وتجلت ركيزته الثانية في الجرأة المطلقة والشجاعة الفردية لتحمل المسؤولية التاريخية عن القرارات الصعبة دون خوف من ردود الأفعال اللحظية. أما الركيزة الثالثة، فكانت رؤيته الشاملة في إعادة بناء الداخل؛ من خلال إطلاق سياسة الانفتاح الاقتصادي، وإعادة إرساء الحياة النيابية والتعددية الحزبية عبر المنابر السياسية، بهدف نقل مصر من اقتصاد الحرب المرهق إلى مسارات التنمية والإنتاج.
دفع أنور السادات حياته ثمناً لشجاعته وجرأته حين طالته رصاصات الغدر في السادس من أكتوبر 1981، وهو يرتدي بزته العسكرية وسط جنوده وأبناء شعبه في يوم الاحتفال بذكرى النصر والعبور. ترجل القائد تاركاً خلفه سيرة زعيم تاريخي استثنائي؛ قائد امتلك دهاء الفلاح وبسالة المقاتل وحكمة رجل الدولة، حطم قيود الهزيمة بالسلاح، وفرض إرادة السلام بالعقل والكرامة، ليبقى اسمه رمزاً خالداً لتحرير الأرض وعزة الوطن.






















