في السنوات الأخيرة تحولت مئات المراكز التي تزعم علاج الإدمان في مصر إلى ما يمكن وصفه بـ”مصحات الموت”. أماكن غير مرخصة، تفتقد أي إشراف طبي أو نفسي، وتعمل بعيدًا عن القانون. في هذا المقال، نفتح ملف كارثة جديدة داخل تلك المصحات: تحويل المدمنين المتعافين – أو من هم في طريقهم للتعافي – إلى معالجين بعد سنة واحدة فقط من دخولهم المصحة.
من مريض إلى معالج في 12 شهرًا في أغلب المصحات غير المرخصة، بمجرد مرور عام على بقاء الشخص داخل المكان – بغض النظر عن طريقة “العلاج” أو ما إذا كان تعافى بالفعل – يتم تعيينه كمعالج لدفعات جديدة من المرضى. لا تدريب أكاديمي ولا دراسة علمية، فقط تجربة شخصية يتم استغلالها لإقناع الآخرين بأن الالتزام بأوامر المصحة قد يؤدي للتغيير.
لماذا يعد ذلك كارثة؟
الظاهرة خطيرة لعدة أسباب. أولًا، غياب أي أساس علمي أو نفسي في التعامل مع المرضى الجدد. ثانيًا، الشخص نفسه قد لا يكون تعافى بعد، فيتم وضعه في موقع سلطة يعيد تفعيل صدماته السابقة. ثالثًا، يتم استغلاله كعامل رخيص أو حتى مجاني، ليصبح جزءًا من دائرة الأذى بدلًا من الخروج منها.
أرقام تكشف حجم المشكلة
الأرقام الرسمية تشير إلى وجود حوالي 22 مركزًا مرخصًا لعلاج الإدمان في مصر، مقابل عشرات وربما مئات المصحات غير المرخصة.
في الإسكندرية وحدها، رصدت وزارة الصحة 18 مركزًا غير مرخص في حي العجمي، أغلب القائمين عليها غير مختصين وبعضهم مدمنون سابقون.
في الجيزة وأبو النمرس، ضبطت وزارة الداخلية 8 إلى 9 مراكز يديرها أشخاص بلا أي تأهيل وبعضهم لديهم سوابق جنائية.
في المنيا – مركز مطاي، تم إغلاق 3 مصحات تضم 120 مريضًا داخل منشآت مخالفة.
وفي القاهرة، أُغلقت 3 مصحات في منطقة بدر بعد ضبط عشرات المرضى دون إشراف طبي أو تراخيص قانونية.
شهادات من الداخل
أحد النزلاء السابقين يروي: “كنت لسه بتعالج من أعراض الانسحاب، وفجأة بقت مهمتي أسيطر على ناس شبه حالتي. حسيت إني بساعدهم يعيشوا نفس الجحيم اللي مريت بيه.”
شهادات أخرى تكشف أن بعض هؤلاء “المعالجين الجدد” أُجبروا على استخدام أساليب عنيفة مع المرضى، من الحبس والحرمان إلى الضرب، تحت شعار “العلاج السلوكي”.
دائرة مغلقة من الأذى
تحويل الضحايا إلى معالجين ليس استثناءً، بل جزء من منظومة كاملة في المصحات غير المرخصة. النتيجة هي فقدان أي فرصة حقيقية للتعافي، وخلق حلقة متواصلة من الانتهاك تُعيد إنتاج الألم مع كل دفعة جديدة من المرضى.
كلمة أخيرة
كمحامٍ وحقوقي وواحد مرّ بتجربة الإدمان والتعافي من أكتر من 15 سنة، الموضوع ده مش مجرد ملف مهني بالنسبة لي، لكنه قضية حياة. كل إنسان له الحق في فرصة حقيقية للتعافي بعيد عن الاستغلال والعنف. ما يحدث في هذه المصحات جريمة ضد حق الناس في العلاج الآمن والكرامة الإنسانية.
المطلوب مش بس إغلاق هذه المراكز، لكن كمان دعم المراكز المرخصة وتوسيع نطاقها عشان كل مريض يلاقي مكان آمن وعلمي يقدر يبدأ منه رحلة التعافي الحقيقية.





















