في حياة الإنسان، تمر لحظات لا يكون فيها محتاجًا إلى بطل، ولا قائد،ولا صاحب خطاب مرتب، يكون محتاجًا فقط إلى ملاذ، مكان يقف فيه دون أن يشرح نفسه، ودون أن يدافع عن جروحه، ودون أن يتجمّل، محمد هاشم كان ذلك الملاذ، الملاذ والطمأنينة.
لم يكن مجرد صديق، بل أخ أكبر بالمعنى الهادئ للكلمة الذي يسمع أكثر مما يتكلم، وحين يتكلم لا يقدم نصائح، بل يمنح طمأنينة، كنت أدخل دار ميريت لا بحثًا عن نشر، ولا عن كتاب، بل عن اتزان، عن لحظة أستعيد فيها إحساسي بأن الأرض ما زالت ثابتة، حتى لو كان كل ما حولي يتحرك بعنف، محمد لم يكن يهوّن الألم، ولا يبالغ في التعاطف، كان يفعل ما هو أصعب: يعترف بالوجع دون شفقة، ويحترمه دون تضخيم.
كان ملاذًا لأن حضوره نفسه كان أمانًا، أمام محمد لم يكن أحد مضطرًا للتمثيل، ولا للتظاهر بالقوة، ولا حتى لأن يكون مفهومًا.
العدالة والإنصاف في أصعب اللحظات
في واحدة من أصعب اللحظات التي مررت بها،
وفي وقت طالبت فيه مجموعة من المجتمع المدني،
“الفيمنست”، بعزلي اجتماعيًا ومنع وجودي في أي مساحة عامة، توجّهوا إلى محمد هاشم وطلبوا منه أن يتوقف عن استقبالي في دار ميريت، الطلب في ظاهره أخلاقي، وفي جوهره كان مصادرة، رد هاشم جاء قصيرًا، واضحًا، حاسمًا دون خطابة أو استعراض: «هو يصح حد يمنع صاحب المكان إنه يتواجد في مكانه؟».
لم تكن الجملة دفاعًا عن شخص، بل دفاعًا عن فكرة، عن الحق، عن المساحة العامة حين تتحول إلى محاكم تفتيش، محمد لم يجادل، ولم يفاوض، ولم يحسبها سياسة، قال “لا”، وانتهى الأمر.
الإيمان بالفرصة الثانية
محمد هاشم لم يقف إلى جواري لأنه مقتنع أنني لم أخطئ، على العكس، كان يرى أنني أخطأت بالفعل، لكن ما رآه هاشم أعمق من الخطأ نفسه، رأى أن الخطأ ليس حكمًا بالإعدام، وأن الذنب — مهما كان — لا يمنح أحدًا حق القتل المعنوي، ولا العزل الاجتماعي، ولا محو الإنسان.
موقفه لم يكن إنكارًا، بل إيمانًا، إيمان بأن الإنسان يستحق فرصة ثانية، وبأن من يعرفه عن قرب يدرك أنه ليس سيئًا إلى الدرجة التي تبرر سحقه، هاشم كان مؤمنًا بي، ومصدقًا فيّ، وعارفًا أن البشر أعقد من أن يُختصروا في واقعة أو عنوان، لذلك حين رفض عزلي، لم يكن يدافع عن فرد، بل عن مبدأ: أن العدالة دون رحمة تتحول إلى انتقام، وأن الرحمة دون عدالة تتحول إلى تواطؤ.
اختار الطريق الأصعب ألا يبرر الخطأ، وألا يشارك في الإعدام، وأنصفني محمد هاشم في غيابه أيضًا.
الوفاء في الوداع
في رحلته الأخيرة في عالمنا، رافقت نعشه من القاهرة إلى بلقاس، كان أقل ما يمكن تقديمه لرجل كان حاضرًا دومًا دون مقابل، والمفارقة المؤلمة أن الناس في المقابر، ثم في العزاء بعمر مكرم، كانوا يعزّونني كأنني الابن الذي تيتم، ساعتها فقط أدركت أن محمد هاشم لم يكن ملاذًا لي وحدي، بل أبًا روحيًا لمساحة كاملة، ولأجيال لم يكن لها غيره، غيابه كشف ندرة العدل، وكلفة الوفاء، وصعوبة الانحياز للإنسان في زمن الانحياز فيه للشعارات أسهل.
ميريت.. دولة الثقافة الحقيقية
محمد هاشم لم يكن مثقفًا محايدًا، كان واضح الانحياز، اختار مبكرًا أن يقف في صف الفقراء والمهمشين، لا بوصفهم مادة للشفقة، بل باعتبارهم أصحاب حق، كان يرى الثقافة سلاحًا باردًا، وصبورًا، في مواجهة الظلم،
لا زينة للنخب ولا ديكورًا للصالونات، ومن هذا الإيمان وُلدت ميريت.
لم تكن دار نشر تقليدية، بل دولة صغيرة للثقافة الحقيقية، دولة بلا أجهزة رقابة، ولا قوائم منع، ولا تصنيفات أخلاقية، في دولة ميريت، كانت الشرعية للنص، والمواطنة للمحاولة الصادقة، والانتماء للكلمة.
أجيال كاملة من المبدعين دخلوا المشهد من باب ميريت، أصوات من الهامش، ومن الأقاليم، ومن حيوات ضيقة وقاسية، لولا ميريت لما وجدت من يراهن عليها، فميريت لم تبرئ، ولم تتواطأ، لكنها منحت الفرصة، والفرصة في عالم قاسٍ، شكل من أشكال العدل.
الفن بكل أشكاله في ميريت
ولم تكن ميريت، في معناها الحقيقي، دارًا للكتب فقط، كانت مساحة مفتوحة لكل أشكال الإبداع، وبيتًا واسعًا لفنانين من كل لون، ميريت ساعدت كتّابًا على الظهور، نعم، لكنها فعلت أكثر من ذلك بكثير، فتحت أبوابها لممثلين شباب كانوا يبحثون عن فرصة للوقوف خارج القوالب الجاهزة، وللمغنين والموسيقيين الذين لم يجدوا مكانًا يحتمل تجاربهم المختلفة، وللرسامين والتشكيليين الذين كانوا يحتاجون إلى جدار يعرضون عليه أسئلتهم قبل لوحاتهم.
في ميريت، كان الفن كله متجاورًا بلا حواجز: الكتاب بجوار العود، والقصيدة بجوار اللوحة، والمسرح الصغير بجوار النقاش المفتوح، لم تكن هناك حدود فاصلة، بين الأدب والموسيقى، ولا بين التشكيل والتمثيل، ولا بين الهواية والاحتراف، المعيار الوحيد كان الصدق، والمحاولة، والرغبة في قول شيء حقيقي.
كم ممثل جلس في ميريت أول مرة يُقرأ له نص خارج البروفات؟ وكم موسيقي عزف هناك قبل أن يكون له جمهور؟ وكم رسام علّق لوحة وهو غير واثق إن أحدًا سيتوقف أمامها؟ ميريت كانت المكان الذي يسمح للفنان أن يكون في طور التكوين، من غير استعجال، ومن غير ضغط السوق، ومن غير سؤال: «هتبيع قد إيه؟».
محمد هاشم كان يرى أن الثقافة ليست كتابًا فقط، وأن الوعي لا يُصنع بالكلمات وحدها، كان مؤمنًا أن الفن، بكل أشكاله، لغة واحدة متعددة اللهجات، وأن تقييدها بنوع واحد إفقار للروح.
ميريت.. ورشة حرية وإبداع
لذلك، تحولت ميريت عبر السنوات إلى ما يشبه الورشة المفتوحة، أو الساحة الحرة، التي يمرّ بها الفنانون في بداياتهم، ويعود إليها بعضهم حتى بعد النجاح، وهنا بالضبط كانت “دولة ميريت” مختلفة: دولة تعترف بالفن
قبل أن يعترف به السوق، وتؤمن بالفنان قبل أن يصير اسمًا.
رحل محمد هاشم، وبقيت ميريت فكرةً ومعنى: أن الثقافة يمكن أن تكون عادلة، وأن الإنسان أكبر من خطئه، وأن المساحات التي تحمي البشر هي أول ما يستحق الدفاع عنه.





















