ولدت فكرة كرة القدم الحديثة على ملاعب إنجلترا في القرن التاسع عشر، وتحولت من لعبة هواة في الساحات إلى اللعبة الأكثر شعبية في العالم، فلم تعد مجرد منافسة بل لغة عالمية تتجاوز الشعوب وتجمعهم حول شغف واحد هو الساحرة المستديرة، حيث صُنعت أمجاد أمم ورُفعت رايات النصر، وتحول الحلم الكروي في عام 1930 إلى مسرح أكبر ليتجه الملايين إلى تحديات جديدة فوق ملاعب الخلود في أول بطولة لكأس العالم، ولم تكن مجرد بطولة رياضية بل كانت مقياسًا لقوة المنتخبات ولمن يمتلك القدرة على المنافسة، فحين نذكر بطولات كأس العالم لا نستحضر حينها مجرد حدث بسيط فوق مستطيل أخضر، ولكن نتذكر فصولًا وملامح لأجيال عاشت بين فرحة التأهل ومرارة الهزيمة والغياب.
مع اقتراب كأس العالم في النسخة الجديدة لعام 2026 يقف العالم الآن أمام نسخة استثنائية تستضيفها ثلاث دول هي “كندا والولايات المتحدة والمكسيك” قد تختلف في شكلها عما سبق من محطات لتكون محطة فارقة يُعاد فيها رسم الخريطة الجديدة وتفتح أبوابًا لمنتخبات جديدة في ظل التوسع التاريخي لمقاعد القارة الأفريقية في البطولة، فهل أصبح الوصول للمونديال أسهل من أي وقت مضى؟ أم إن تغيير القواعد واللوائح وحده هو الإنجاز المُستحق؟
وبين تطور اللعبة عالميًا وطموح الجماهير المصرية في مواكبة هذا التغير، تكون هذه النسخة هي الاختبار الحقيقي للمنتخب المصري وقدرته على تغيير قواعد اللعبة، فإن من يحصد هو من يخطط ويعمل ويستعد قبل سنوات من البداية وليس بالتدريبات فقط، فإن الاختبار قد يتجاوز أحلام المستطيل الأخضر إلى تحقيق فرصة حقيقية لقياس مكانة الكرة المصرية.
فهل تمتلك الكرة المصرية مشروعًا واضحًا يقود المنتخب إلى التقدم والتأهل؟ لعل التحدي لا يكون بالتأهل للبطولة وحده، ولكن بالحضور والمنافسة وبزوغ مكانة جديدة بين المنتخبات من خلال رؤية وتخطيط قادرين على صناعة الجيل، فإن الصعود والتحدي يظلان حلم الجماهير، فما الذي ينقص الكرة المصرية لعودتها إلى مكانتها؟
على امتداد تاريخ الكرة المصرية برزت أسماء صنعت لحظات خاصة من “عبد الرحمن فوزي” مهاجم المنتخب المصري وأول لاعب عربي وأفريقي يسجل هدف في تاريخ بطولات كأس العالم في عام 1934 و”حسام حسن” رأس الحربة وأحد رموز جيل التسعينات وصولًا إلى “محمد صلاح” والذي صنع علامة فارقة في هذا الجيل ورسخ حضوره في المحافل العالمية، وقد تكون هذه آخر مشاركة عالمية له، لنقول ماذا بعد صلاح؟ وهل لدى الكرة المصرية مرحلة جديدة، أم أن هناك بديلًا فرديًا استثنائيًا يُغني عن بناء المنظومة الناجحة؟ فالنجوم يصنعون اللحظات، أما المنظومة فتصنع المستقبل، فالتاريخ الكروي خاصة لا يُكتب بالأفراد ولكن بالمنظومة التي تحيط وتستمر وتتحدى، لا مشهدًا ينتظر نجمًا جديدًا يُعيد حلمًا، فهل تستطيع مصر أن تُعيد صياغة الكرة بعيدًا عن نجومية لاعبيها وأسمائهم من خلال مشروع يبقى ويستمر ويصنع أجيالًا لا تعتمد على الاستثناء بل على الأسس والقواعد؟
تاريخ من الغياب وتبدل موازين القوى الأفريقية
المنتخب المصري شارك في ثلاث نسخ من كأس العالم على مدار تاريخه الكروي آخرها عام 2018، وإن هذا الفراغ والغياب يترك أثراً عميقاً في الأجيال الجديدة، وينعكس بصورة سلبية على الحضور الدولي الأقل تأثيرًا في ظل وجود منتخبات جديدة تثبت وجودها في السنوات الأخيرة، وبالأخص في الكرة الأفريقية التي لم تعد المنافسة فيها تقتصر على أسماء معروفة، بل منتخبات فرضت نفسها على الساحة، وحتى مع زيادة المقاعد الأفريقية أصبح الأمل أكبر للقارة في كتابة تاريخها من جديد، فهل القيادة الكروية الأفريقية ما زالت للمنتخب المصري؟ أم أن الخريطة العالمية تتغير وتتبدل؟
إن الجماهير المصرية تنتظر بشغف رحلة المونديال، وهي رحلة طويلة تتجدد كل أربعة أعوام، فمن ينسى ذكريات جيل التسعينات وفرحة التأهل بعد 28 عامًا في مونديال روسيا؟ فالحلم حاضر داخل قلوب الجماهير المصرية مهما طال الغياب، واليوم ينتظر الجمهور كأس العالم 2026 بين الأمل والرغبة في العودة الحقيقية، لا أن تتحول إلى فصل جديد من محطات الخروج المبكر.
لم يكن كأس العالم مجرد بطولة داخل مستطيل أخضر، بل هو حدث عالمي له أبعاد اقتصادية واستثمارية كبرى، فهي جزء من صناعة كبيرة تتجاوز الشاشة الصغيرة، فالمشاركة لها أبعاد وصور تُبنى في العقول وأمام العالم، وتُفتح من خلالها أبواب واسعة في شتى المجالات، فالبطولة منصة ذات قيمة للدول المشاركة بما تتركه من تأثيرات إقتصادية وثقافية تتجاوز الملعب، فالغياب أو الحضور ليس فقط مسألة رياضية، بل قرار يمس مكانة الدول على الخريطة الدولية، ويعكس قدرة التواجد في عالم يُشكل بقيمة ما تقدمه الدول لأبنائها.
يظل كأس العالم 2026 أكثر من بطولة عادية يُحسم فيها التأهل، بل هو اختبار لمكانة الكرة المصرية وقدرتها على استعادة الحضور بين الكبار، فإن اتساع فرص الوصول ليس فقط ما منحنا الفرصة، بل علينا أن نكون قد استعدنا ذلك بناء على موقعنا الذي يليق بتاريخنا في كرة القدم الأفريقية.
إن الواقع الذي يراود الجماهير هو أمر طبيعي، وعلى مسؤولي الكرة المصرية ولاعبي المنتخب أن يكونوا على قدر المسؤولية من تخطيط وعمل واستعداد حقيقي للمنافسة العالمية التي لا ترحم، فإن هذه المنافسات هي فرصة لمراجعة الذات قبل أن تكون احتفالًا، والبداية الحقيقية لبناء أسس أكثر استقرارًا، وكلنا أمل في أن تشهد الكرة المصرية في كأس العالم 2026 نهضة تليق بتاريخها، وأن نفرح بهذا نحن وكل المنتخبات العربية المشاركة، وأن تكون المشاركة مدعومة بخطط واضحة وبتنظيم قوي داخل الساحرة المستديرة، وليكون الحلم قائمًا والراية مرفوعة دون خروج مبكر أو انهيار سريع، فالمونديال لا يرحم ويمنح المجد لمن يريد المستقبل.






















