في هذه المرحلة التي تمر بها البلاد وتتشابك فيها التحديات السياسية والأزمات الإقتصادية التي يواجهها المجتمع المصري من تعاظم مسئوليته الوطنية.. وما بين الضغوط والطموح وما ينذر وما يحدد المصير يصبح لزامًا أن تكون “القبة البرلمانية” صمام أمان لهذا المجتمع وأن يكون التشريع درعًا لهذا المجتمع.. فإنه حين ينهض برلمان الشعب بدوره الحقيقي تنهض معه الدولة وبخطى ثابتة ويزدهر المجتمع بوعي كامل ليكتب ويسجل ويحاسب قبل أن يبرر.. ويراقب قبل أن يُبرز.
إن البرلمان المصري هو سيف المجتمع شريكًا في بناء العدل والرقابة لا الصمت، وعليه الإستماع للمواطن وأن يملك الشجاعة في قول كلمة “لا” فمراقبة الحكومة ليست ترف سياسي بل هو واجب وطني يحمي الدولة من الإنحراف، ويصون القرارات الواعية ويقيم ميزان المصلحة العامة لا المجاملة، ولا أن يكون نوابه ديكورًا في مسرح.. ولا جمهورًا يصفق للحكومة.. بل مساءلة وتشريع يقيم الإعوجاج قبل أن يستفحل.
انتخابات مجلس النواب ليست فقط بكلمة الصندوق ولكن بقدرتها على غرس وتعميق معاني الديموقراطية، والمعارك الإنتخابية تقاس بنضج أفكارها وبرامج مرشحيها، فإن العملية الإنتخابية هي بناء القدرة الذاتية للمجتمع كله، فمصر ينتظرها مواقف عديدة لتغيرات فكرية جديدة لشعب يتطلع إلى الإستقرار والإصلاح.
إلا وإننا على أبواب الإنتخابات ووسط العديد من الحملات الإنتخابية لبعض من مرشحي مجلس النواب الذين اتخذوا من الطبول والميكروفونات الرنانة والسيارات الفارهة صوتًا لهم ولوعودهم الواهية من خدمات بسيطة وتوزيع السلع الغذائية.. أقول لهم أين برامجكم الإنتخابية وهل هذا دور نائب الشعب الذي يحقق الأحلام والآمال المعلقة للمواطنين خاصة البسطاء منهم؟!
حقيقة أن عضو مجلس النواب المنوط به هو مراقبة أعمال الحكومة والتشريع والتعديلات الدستورية إلا إن مؤخرًا تقلصت سلطاته في رصف الطرق وتركيب أعمدة الإنارة والتوقيع على طلبات التزكية وإقامة الحفلات في المواسم المختلفة.. وتراجع دوره الحقيقي وغابت الجراءة وانشغل المرشح بالمظاهر أكثر من جوهر المسئولية حتى صار مقعده مجاملة لا أكثر وصوته صدى لما يقال وتلاشى صوت الرقابة تحت وطأة المصالح.
في الماضي كان هناك نوابًا يراقبون السلطة ويراقبون ردود فعلها قبل أن يتكلموا ولا يخشون المواجهة والمناقشة والتشريع من واقع فهمهم لا تلقينهم فقد كان نواب الأمس مثالًأ مشرفًا يواجهون الحكومة بالحجة لا المجاملة ويشرعون القوانين بضمير وعقل واعي.. أعضاء عاشوا في وجدان الشعب حتى بعد وفاتهم مثل أبو العز الحريري بدائرة محرم بك والذي دخل معارك عديدة مع نظام الحزب الوطني ورجاله خاصة أحمد عز، وسعد الخوالقة بدائرة الرمل والذي آمن بمبادئ ثورة يوليو وهو شابًا في الجامعة وعمل على تعديل أحكام قانون الطرق العامة، ومصطفى كمال حلمي والذي لقب بـ “زعيم الحكماء” والذي ساهم في تعديل قانون الجامعات والمعاهد، والسيد راشد بدائرة سيدي جابر الرجل العصامي الذي عمل من أجل خدمة عمال مصر ودافع عن البُعد الإجتماعي للعمال وحمايتهم من الفصل وشارك في كل قوانين العمل والعمال، وعطية الزعيري النائب الذي عاش فقيرًا وانحاز للبسطاء والكادحين وساهم في تعديل قوانين الشهر العقاري وضرائب التحصيل، وعبد الرحيم الغول بدائرة نجع حمادي والذي يعتبر أقدم نواب الشعب فقد أمضى أكثر من ثلاثين عامًا عضوًا للمجلس فقد وهب حياته لرفع الظلم عن كاهل الفقراء، وأحمد خيري بدائرة العطارين الذي حمل قلبًا وإرادة حديدية ورصيد من حب الناس، وثريا لبنة والتي ساهمت في قوانين نقابة المهن الإجتماعية، ووداد شلبي أو كما أطلق عليها الكاتب الكبير موسى صبري “نائبة بلا مقعد” حيث إن أبناء دائرتها حتى وهي خارج المجلس كانت لهم نائبة فهي صاحبة مواقف نيابية صلبة واستطاعت بناء جسور قوية بينها وبين الجماهير فهي التي وقفت في مواجهة الفساد وحماية حقوق العمال في الشركات الملاحية والنقابات العمالية حيث إنها النائبة الوحيدة التي اعادت القانون للمداولة مرة أخرى.. كل هؤلاء وغيرهم كانوا مدرسة في الوطنية لا في الصمت.
هذا الوقت لابد فيه من مجلس نواب يكون أعضاءه على وعي كامل بأعباء المواطن البسيط، يمارسون مهامهم ويواجهون تقلب أسعار السلع وتأرجح الجنيه في السوق فهذا ما يهم المواطن البسيط ومعدومي الدخل، وأن يدرك هموم الناس، فإن الوعي هو السلاح في المعركة وأن يعمل على حمايتهم من قرارات تعصف بأحلامهم قبل جيوبهم.. فحضور الجلسات ليست بعددها بل بجرأة الكلمة واليقين والضمير.. فالمسئولية هي تحويل نبض الشارع إلى تشريع عادل يرد الظلم ويضمن مصالح المواطن.
وعلى الناخب أن يختار بمسئولية من يفهم لا من يسُلم عليه.. ومن يشرع لا من يضحك عليه، فالمجالس تُبنى بالوعي لا بالصداقات، وعلى من جلسوا تحت قبة البرلمان في الدورات السابقة والمرشحين له الأن ولم يقدموا إلا الوعود.. فلماذا يسعون اليوم خلف المقعد؟!.. وأين كنتم داخل المجلس أم كنتم صامتون؟!.. الأسماء تتبدل والوجوه أيضًا ولكن علينا أن نبني مجلسًا نجعله منبرًا للصدق لا موطنًا للنفاق.. وأن يكون صوتًا للوعي وضميرًا يحاسب لا يحابي ويشرع بالحق لا بالهوى.






















