في الوقت الذي يهرع فيه الجميع للاحتماء بالمكيفات والظلال مع اشتداد حرارة الصيف، هناك فئة من الرجال اختاروا على مواجهة الشمس وجهاً لوجه عمال البناء، وهم “أبناء الشقاء”، الذين لا تمنحهم لقمة العيش رفاهية التوقف، يروي لنا أحدهم، وهو العامل أمير أيمن، تفاصيل “المعركة اليومية” التي يخوضونها فوق السقالات وتحت لهيب السماء.
حكايات التعب.. من الفجر حتى الغروب
حيث يبدأ يوم أمير ايمن عامل البناء مع استيقاظ المدينة، بل يسبقها بخطوات، ففي تمام الساعة 6 صباحاً، يدق منبه العمل ليعلن بداية رحلة شاقة، ومع حلول السابعة والنصف، يكون العامل ورفاقه قد استلموا مواقعهم في قلب الموقع الإنشائي، لتبدأ ساعات من العمل المتواصل تمتد لأكثر من 11 ساعة.
وقال أمير، فى تصريح خاص لـ”الحرية”: “الجهد الحقيقي يكون في أول 4 أو 5 ساعات، بعدها يبدأ الجسد في الانهيار تدريجياً بسبب الحرارة”، وبحلول الساعة السادسة مساءً، ينتهي العمل، لكن التعب لا ينتهي.
أجساد تحت القصف الحراري
والجدير بالذكر، واوضح ايمن، ان ذلك لم يتوقف عند الجو حار، بل كانت قائمة من الأوجاع الجسدية التي تلازمهم، واصفا تأثير الشمس بـ “الافتراس” للجسد، تتلخص معاناة العمال في الهواء الساخن المحمل بالأتربة يجعل كل شهيق عبئاً على الرئتين، وتترك الشمس بصماتها واضحة على جلودهم التي تغيرت معالمها بفعل الحرارة المباشرة.
كما يروي أمير، أن حالات السقوط وفقدان الوعي أصبحت مشهداً متكرراً في المواقع الإنشائية مؤخراً، مع الصداع الذي لا يفارق الرأس نتيجة التعرض الطويل للأشعة.
الهروب الكبير إلى “التوك توك”
واضاف امير، ان تلك المشقة والظروف القاسية ادت إلى ظاهرة لافتة، وهي هجرة العمال لمهنة البناء، حيث يشير إلى أن الغالبية العظمى من العمال فضلوا التحول إلى سائقي “توك توك”، بحثاً عن سقف يظللهم وعمل أقل وطأة من حمل الأسمنت والحديد تحت شمس الظهيرة.
الظل.. هو “الوليمة” المنتظرة
واردف ايمن، ان في ساعة الغداء، لا يبحث هؤلاء العمال عن مذاق الطعام بقدر بحثهم عن “مذاق الراحة” في بقعة ظل، واصفا تلك اللحظات بأنها “الملاذ الوحيد”، حيث يفرون من فوق الحوائط العالية ليختبئوا في أي مساحة مظللة حتى يستعيدوا أنفاسهم.
ويختتم أمير تصريحه بشهادة توصف بالمرارة، مؤكداً أن الجسد البشري له طاقة محدودة، وأن العمل لسبعة أيام متواصلة في هذه الظروف هو “انتحار بطيء”، فالعامل الذي لا يحصل على إجازة أسبوعية لراحة جسده المنهك، غالباً ما ينهار في الأسبوع التالي، حيث يصل التعب لمرحلة يعجز فيها المرء حتى عن رفع كوب ماء.
وفى النهاية، يبقى أمير أيمن ورفاقه نموذجاً لآلاف العمال، الذين يبنون مدننا بعرقهم وسلامتهم الجسدية، منتظرين نظرة تقدير لمهنتهم التي باتت “صراعاً من أجل البقاء”.
اقرا ايضا : “صحة الشيوخ توافق على مقترح أميرة صابر لإنشاء بنك وطني للأنسجة البشرية لمواجهة أزمة الحروق




















