في لحظة من لحظات انكشاف الزمن، يبدو المشهد كأن التاريخ قد ارتدى عباءته القانية، وسار عارياً على طرقات القدس. الكيان الذي زُرع في خاصرة الأمة كغدة خبيثة، يُمعن اليوم في القتل، وكأنه يحتفل بآخر رقصاته فوق الركام. أما رعاة البقر، أولياء نعمته، فيديرون المشهد من شاشات مترهلة، كمن يرقص على نغمة قديمة وهو يدرك أن اللحن انكسر.
الذين يكتبون اليوم عن “نهاية إسرائيل”، لا يكذبون، لكنهم لا يقولون الحقيقة كاملة. النهاية ليست حفلة ضجيج، بل عملية صامتة، تبدأ من الداخل لا من صواريخ الخارج. وكلما زاد الكيان بطشه، فذلك لا يدل على القوة، بل على شعورٍ بالزوال يقترب، فيصرخ كما تصرخ الوحوش قبل أن تسقط. القوة حين تزداد عدوانًا، تفقد بوصلتها، وتتحول إلى لعنة ضد نفسها.
أما الغرب، أوروبا التي رفعت راية “الإنسانية” على جماجم الأفارقة، وأمريكا التي شيدت حضارتها فوق عظام الهنود الحمر، فقد أسقطت الأقنعة بالكامل. لم يعد هناك حاجة للمواربة. من برلين إلى باريس إلى البيت الأبيض، يتكرر المشهد: كلهم يقفون خلف القاتل، لا خلف الضحية، لأنهم يعرفون أن زوال الكيان يعني سقوط آخر أركان استعمارهم الطويل في الشرق.
وفي المقابل، لا يمكن للمرء أن يُخفي خجله من مشهد الأنظمة العربية، التي تفوقت في فنون الانبطاح، وصارت تُشرعن القتل عبر شاشاتها، وتغسل دماء غزة من على جبينها ببيانات تافهة لا تشبه إلا الورق الذي كُتبت عليه. هؤلاء ليسوا خونة لأنهم صمتوا، بل لأنهم باعوا دماء الأمة في المزاد، ورهنوا القدس على موائد الصفقات.
لكن الغريب – والمثير للدهشة – أن هذا الانكشاف الشامل لم يُسقط المقاومة، بل زادها صلابة. غياب العرب لم يُطفئ شعلة فلسطين، بل جعلها أكثر اشتعالاً. وحدها الشعوب التي تعرف أن للكرامة ثمنًا، تصمد، وتخترق الزمن بخناجرها الصغيرة. من جنين إلى خان يونس، من نابلس إلى باب العامود، يولد جيل لا يحمل مفاتيح العودة فقط، بل يحمل مفاتيح الثورة.
والسؤال الجوهري ليس متى تسقط إسرائيل، بل كيف؟ السقوط لا يأتي بالضربة القاضية، بل عبر تراكمات الإرهاق الداخلي، والتعفن السياسي، والانفجار الديموغرافي، والانقسام العقدي بين يهود أوروبا ويهود الفلاشا ويهود الروس. إسرائيل اليوم تقاتل لتثبت أنها موجودة، وكلما أفرطت في استخدام القوة، زادت هشاشتها في الداخل، وافتضحت أسطورتها أمام العالم.
أما أمريكا، فليست بخير كما توهم حلفاءها. دولة رعاة البقر تتآكل من الداخل، بين الانقسام العرقي، والشلل السياسي، وتضخم ديونها، وصعود اليمين العنصري الذي يهدد وحدة الكيان الأمريكي نفسه. ترامب لا يريد دعم أوكرانيا، ولا الدفاع عن “أرض الميعاد”، بل يريد أن ينقذ سفينته الغارقة، ولو اضطر لبيع إسرائيل في المزاد الانتخابي.
في النهاية، الكيان الذي يُكثر من القتل إنما يخشى الموت. والغاصب الذي يصنع مجازر كل يوم، لا ينتصر، بل يحتضر. والأنظمة التي خانت الأمة، لن تجد مكانًا في كتاب المستقبل. فكما لفظت شعوبنا الاحتلال، ستلفظ التبعية. وكما قاومت بسكين المطبخ، ستقاوم بالفكرة والوعي والثورة.
الزمن ليس في صالحهم، وإن بدوا أقوياء. والزمن يعرف وجهته، وإن تاهت العناوين. وهذه الأرض، التي سُقيت بدماء الشهداء، لا تقبل الاحتلال، حتى لو استمر مئة عام.



















