حين يخرج رئيس سوريا الجديد، أحمد الشرع، ليعلن على الملأ ضرورة “البحث عن وسائل للعيش المشترك بين السوريين والإسرائيليين”، فإننا لا نكون إزاء تصريح عابر ولا زلة لسان دبلوماسية، بل أمام تحول استراتيجي يرقى إلى انقلاب على الثوابت التي صمدت سوريا عقوداً وهي تحمل لواء “التوازن الاستراتيجي” مع الكيان الصهيوني.
في تاريخ المنطقة، ثمة أسماء تحولت إلى رموز للغواية والاختراق. ومن بين هؤلاء يطفو اسم كمال أمين ثابت، الاسم المستعار للجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين، الذي استطاع أن يخترق النسيج السوري في ستينات القرن الماضي، متقمصاً شخصية الوطني الغيور، حتى جلس في صلب القرار السياسي والعسكري السوري، قبل أن يُكشف أمره ويُعدم في دمشق عام 1965. واليوم، حين نسمع تصريحات الشرع، لا يسعنا إلا أن نرى فيها استنساخاً معكوساً: فبدلاً من جاسوس مندس يتقمص شخصية وطني، نحن أمام رئيس علني يتقمص خطاب الاستسلام، ليُدخل إسرائيل لا بالتجسس، بل عبر بوابة “السلام مقابل الخنوع”.
الجولان.. من أرض محتلة إلى ورقة مساومة
الاتفاق الجاري الحديث عنه – القائم على أساس خطوط 1974 – ليس سوى إعادة إنتاج لاتفاقية فصل القوات بعد حرب أكتوبر، تلك الاتفاقية التي أبقت الجولان رهينة تحت الاحتلال الإسرائيلي، وأبقت سوريا في وضع “الهدنة القسرية” لا حرب ولا سلام. واليوم، يسوّق الشرع نفس الصيغة لكن بجرأة أكبر: سوريا “تتجنب الحرب” لأنها في “مرحلة بناء”، وهو ما يعني عملياً شطب خيار المقاومة، وتحويل الدولة السورية إلى نسخة منزوعة السلاح على حدود إسرائيل.
بل إن السؤال الذي طرحه الشرع نفسه – “هل لدى إسرائيل مخاوف أمنية أم أطماع توسعية؟” – يحمل الإجابة في طياته: إسرائيل لم تكن يوماً دولة تبحث عن أمن بقدر ما كانت مشروعاً استعمارياً توسعياً، منذ نشأتها على أنقاض فلسطين. وبالتالي، فإن أي مفاوضات تبدأ من “الاعتراف بمخاوف إسرائيل” هي في الحقيقة مفاوضات تسليم، تُنكر جوهر الصراع القائم منذ 1948.
إدخال إسرائيل إلى حدود تركيا
الأخطر أن هذه التسوية لا تقف عند حدود الجولان، بل تفتح البوابة الشمالية لإسرائيل نحو تركيا. فإذا تحولت سوريا إلى كيان منزوع السلاح، هادئ مطمئن للعدو الصهيوني، فإن الخط الحدودي التركي-السوري سيتحول عملياً إلى جسر تطبيع أمني وسياسي، يُدخل إسرائيل إلى الخاصرة التركية عبر “السلام السوري”. وهنا نلمس خطورة المقارنة مع كمال أمين ثابت: فكما أن اختراق كوهين كاد يغير موازين القوى في سوريا من الداخل، فإن خطاب الشرع اليوم يغيّر خريطة الموازين في الإقليم كله.
من العقيدة القومية إلى عقيدة “السلام بأي ثمن”
في لحظة واحدة، ألغى الشرع عقوداً من العقيدة السورية القائمة على “التوازن الاستراتيجي” مع إسرائيل، مستنداً إلى قوة الجيش، وعمق التحالف مع المقاومة في لبنان وفلسطين. أما اليوم، فالعقيدة الجديدة هي “علاقات هادئة مع الجميع”، بلا خطوط حمراء ولا عقيدة ردع. وما هي “العلاقات الهادئة” سوى الاسم الكودي للاستسلام، خصوصاً إذا كانت الثمرة النهائية هي اتفاق يضمن لإسرائيل حدوداً آمنة بلا تهديد؟
نسخة جديدة من الخيانة
إن ما يقوم به أحمد الشرع ليس سوى نسخة محدثة من إيلي كوهين: الأول اخترق سوريا من الداخل بزيّ وطني، والثاني يخترقها اليوم من موقع الرئاسة بزيّ دبلوماسي. النتيجة واحدة: إدخال إسرائيل إلى قلب القرار السوري، وإخراج سوريا من معادلة الصراع العربي-الإسرائيلي.
وإذا ما تُوجت هذه المفاوضات باتفاق، فإننا سنكون أمام سوريا منزوعة السلاح، منزاحة عن التاريخ، متخلية عن الجولان وجبل الشيخ، لتتحول من دولة مواجهة إلى دولة “مهادنة”، ومن خط دفاع إلى خط اختراق لصالح المشروع الصهيوني.
والسؤال الذي سيبقى للتاريخ: هل هذه هي سوريا التي حلم بها شهداء الجولان ودمشق وبيروت وغزة؟ أم أنها نسخة مشوهة أعاد إنتاجها “كمال أمين ثابت” بوجه جديد اسمه “أحمد الشرع”؟
ما بعد الشرع: خيانة مضاعفة
وهذا يعنى أن حافظ الأسد وبشار الجزار لم يكونا خائنين بهذا المستوى الرخيص، رغم كل جرائمهم وبطشهم بالشعب، إلا أن ما نشهده الآن يتجاوز حدود القمع إلى حدود التفريط في الوطن ذاته. وتتضح الصورة أكثر: أن ما سمي بـ”المقاومة السورية” لم يكن سوى أداة ممولة من إسرائيل نفسها، وأن تركيا لعبت دوراً حقيراً في تدمير سوريا لصالح الكيان الصهيوني، وتقاسم النفوذ على حساب الدم السوري.
لقد ضُربت كل مقومات الجيش السوري، أولاً في ظل الحليف الروسي الذي باع سوريا في سوق الصفقات، وثانياً في ظل الحليف التركي الذي فتح الأبواب للتغلغل الصهيوني. وفي عهد الشرع والشيباني، تضيع العواصم العربية تباعاً – من بغداد إلى دمشق، ومن بيروت إلى غزة – ونحن لا نملك إلا أن نتفرج، وكأن المشهد كتب ليكون مسرحية انهيار الأمة أمام أعيننا، ونحن شهود العجز والخيانة.
السيناريو القادم: تفكك الإقليم
إذا استمرت هذه المعادلة المريبة، فإننا أمام مشهد أخطر من مجرد اتفاق حدودي؛ نحن أمام بداية تفكك سوريا كدولة مركزية، وتحولها إلى منطقة نفوذ متقاسم بين إسرائيل وتركيا وروسيا. إيران ستبقى اللاعب المتردد، يراوح بين حماية ما تبقى من نفوذها وبين التسليم بصفقات الكبار. حزب الله سيجد نفسه محاصراً بين حدود ساكنة من الجنوب اللبناني وحدود مهادنة من الشمال السوري. أما الشارع العربي، فسيمر بلحظة وعي مأساوية حين يدرك أن سوريا التي كانت قلب العروبة النابض قد تحولت إلى قلب مطعون بسكين صهيوني، لا بيد غريب، بل بيد رئيسها نفسه.
استسلام رخيص باسم الدين
ولئن شهدنا عبر العقود استسلاماً رخيصاً من الأنظمة العربية لحماية الكيان الصهيوني، فإن الشرع تفوق على الجميع، إذ لبس ثوب الخيانة باسم الإسلام والجهاد، ليمنح مشروع الاستسلام غطاءً دينياً زائفاً. إنه نسخة مطورة من أردوغان العصر، المتاجر بالدين والقدس، الذي يبيع المواقف بالشعارات ويقبض الثمن بالصفقات. لكن الشرع يتجاوز أردوغان في أنه لا يكتفي بالمتاجرة اللفظية، بل يترجم الخيانة إلى اتفاق مكتوب، يسلم الجولان ويهدر تضحيات عقود، ليصبح العنوان الجديد للمرحلة: خيانة علنية بوجه ديني مزيّف.





















