بحسب ما تم تداوله أمس عن دعوة وزير الإعلام لفتح أبواب الإعلام أمام المعارضة والرأي الآخر، عادت إلى الواجهة جملة قديمة كنا نظن أنها انتهت: “تطبيق نصوص الدستور ودعم حرية الرأي والتعبير وضمان حق الجمهور في الوصول إلى المعلومات عبر وسائل إعلام مهنية”. وهي نفسها الجملة التي قيل إنها “أثلجت صدور الإعلاميين” عندما طُرحت كتوجيه بفتح حوار موضوعي يقوم على إتاحة الرأي والرأي الآخر.
لكن هذه المرة، الجمهور لم يصفق. الجمهور سأل.
والأسئلة التي خرجت أهم من التصريح نفسه، ويمكن تلخيصها في ثلاثة هواجس:
1- هاجس الفخ:
قطاع واسع كتب بوضوح: هل هذه دعوة للظهور لكي يتم الحصر ثم الاعتقال؟ الخوف ليس من فراغ. ذاكرة الناس لا تمحى بتصريح. عندما يرى الناس أن كاتب مقال أو صاحب بوست على فيسبوك انتهى به الأمر في الحبس الاحتياطي لشهور، فطبيعي أن يفسر أي دعوة جديدة على أنها كمين، حتى لو كانت حسنة النية.
2- هاجس الأولوية:
رد آخر كان أكثر عملية: قبل أن تدعو المعارضة للاستوديو، أفرج عن معتقلي الرأي. لا يمكنك أن تدعو الناس للحوار والكراسي الأخرى في السجن مشغولة بمن حاوروا من قبل. الإفراج ليس مطلباً فئوياً، هو عربون جدية. بدونها تصبح الدعوة مثل من يدعو الناس للسباحة والمسبح فارغ من الماء.
3- هاجس الضمانة:
من يضمن؟ هذا هو السؤال الأخطر. من يضمن خروج المعارض من الاستوديو إلى بيته وليس إلى جهة أخرى؟ في غياب ضمانة قانونية معلنة وواضحة، حماية دستورية، وتعهد علني بعدم الملاحقة على أساس الآراء التي تقال داخل الحوار، سيبقى أي حوار مخاطرة شخصية لا يقبلها عاقل.
اختبار الجزء من المليون
هنا نصل لجوهر سؤالك: هل نستطيع فعلاً تحمل الرأي الآخر؟
دعنا نقارن بدون تجميل. في أمريكا، يخرج إعلامي في قناة كبرى ليقول إن الرئيس كاذب، وآخر يسخر من وزير الدفاع، وثالث يتهم البنتاجون بإهدار المليارات، ورابع يقاضي البرلمان. ترامب نفسه يتعرض يومياً لحملة نقد غير مسبوقة في تاريخ الرؤساء، ومع ذلك النظام لا يسقط، والدولة لا تنهار. بل يعتبرون ذلك دليل صحة.
هل يستطيع إعلامنا الرسمي تحمل جزء من مليون مما يتحمله البيت الأبيض أو وزارة الدفاع الأمريكية؟
بصراحة لا. ليس لأن شعبنا أقل وعياً، بل لأن منظومتنا الإعلامية الحالية بُنيت لعقود على فكرة (الصوت الواحد) واعتبار أي نقد تهديداً للأمن القومي. ولهذا يرى مراقبون أن “هناك مسؤولين في مناصب إعلامية يبادرون بمنع الصوت الآخر دون أن تطلب منهم أي جهة ذلك، ويعتبرون أن فتح الباب أمام رأي مختلف يهدد مناصبهم”.
النظام الأمريكي يتحمل لأنه شفاف ومؤسساته قوية بما يكفي لامتصاص الصدمة. عندما لا تكون هناك شفافية، يصبح كل نقد قنبلة.
الملفات التي لا يريد أحد فتحها
هناك ملفات لو فُتحت تسجن ثلث أركان المشهد.
هذه هي العقدة. الحوار الحقيقي ليس أن نجلس لنتفق أننا نحب الوطن. هذا تحصيل حاصل. الحوار الحقيقي هو أن نسأل كيف تدار ميزانية المؤسسات؟
أين تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات؟ لماذا يتحول أي نقاش عن الفساد الإداري الصغير إلى تهمة “نشر أخبار كاذبة”؟ كيف نحدد وضع مؤسسات الدولة وعلاقتها بالاقتصاد والسياسة والإعلام؟
الكثيرون يعتقدون – وهذا اعتقاد منتشر على نطاق واسع في الشارع – أن ثقل هذه الملفات هو ما يجعل أي انفتاح محسوباً بالملي. لا يوجد نظام في العالم يفتح كل الملفات مرة واحدة، لكن الأنظمة الذكية تفتح نافذة صغيرة للتهوية قبل أن ينفجر المطبخ كله.
إنكار وجود هذه الهواجس هو ما يجعل الدعوة تبدو غير صادقة، حتى لو كانت صادقة.
كيف تتحول الدعوة من شعار إلى مصداقية؟
إذا أرادت الدولة أن يصدقها الناس، فالطريق ليس تصريحاً آخر، بل 4 خطوات إجرائية:
أولاً: إجراء بناء ثقة فوري. إخلاء سبيل دفعات من المحبوسين على خلفية مقالات وآراء سلمية. ليس عفواً، بل تطبيقاً لنص الدستور.
ثانياً: ضمانة قانونية معلنة. بيان من النائب العام أو من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بأن ما يقال في إطار الحوار المعلن عنه لا يترتب عليه ملاحقة أمنية، مع وجود محامين وحقوقيين كشهود.
ثالثاً: من يدير الحوار؟ لا يمكن أن يدير حواراً مع المعارضة نفس الوجوه التي كانت تخوّنها كل مساء. نحتاج مدير حوار محايد ومستقل، أكاديمي أو مهني مشهود له، وليس موظف تعبئة.
رابعاً: سقف بلا سقف. إذا دعوت المعارضة لتتحدث في حدود ما يسمح به النظام، فأنت لم تدعو معارضة، أنت دعوت ديكوراً. المعارضة الحقيقية وظيفتها أن تقول ما لا تريد سماعه. إن لم نتحمل سماعه في الاستوديو، سنسمعه غداً في مكان أسوأ.
الخلاصة ليست أن الدعوة كاذبة. الخلاصة أن الدعوة وحدها لا تكفي. الكرة الآن ليست في ملعب المعارضة التي قيل لها تعالي، الكرة في ملعب من دعاها ليثبت أنه قادر على حمايتها بعد أن تأتي.
قوة الدولة لا تقاس بقدرتها على إسكات النقد، بل بقدرتها على تحمله.





















