على الرغم من وجود خلط شائع لدى قطاعات واسعة من العامة في تعريف الحزب السياسي بأنه الكيان القادر والقائم بغرض التنافسية النيابية وهو خطأ سببه الرئيسي يعود لتعريف الأحزاب من قبل قطاع واسع من الباحثين باعتبارها ( أدوات مؤسسية لصناعة وطرح بدائل برامجية للسلطة وطرحها وتطبيقها حال فوزها بتأييد واسع من ممثلي الإرادة الشعبية )
إلا أنه في الحقيقة فإن الأحزاب لا تنشأ ( ولم تنشأ ) عبر تطورها وحراكها التاريخي لتكون مجرد أدوات أو أوعية لافراز القيادات الشعبية التي تتنافس للوصول إلى البرلمان.
ربما كان البرلمان هو أحد المحفزات الرئيسية لنشأة الأحزاب لكن في الواقع العملي فإن هناك محفزا آخر كان له دور تاريخي بالغ الأهمية خلال فترة الثورة الصناعية وما تلاها لعب دورا محوريا في نشأة وترسيخ النشأة الحزبية تمثل في تفاوت وتباين الرؤى الأيديولوجية والفكرية لدي قطاعات مجتمعية واسعة كانت سببا في نشأة جماعات سياسية هدفها الأساسي هو الدفاع عن مصالح تلك الطبقات وتمثيلها والنيابة عنها في التفاوض مع دوائر السلطة المختلفة.
لكن مع تطور الزمن ومع مرور الوقت وصولا لانحسار الصراعات الأيديولوجية وظهور ما سمي بجماعات المصالح الأساسية بدأت فكرة التمثيل النيابي تهيمن وتسيطر على العمل العام وبدأت الأحزاب تعرف وتقاس قدرتها المؤسسية بمدى قدرتها على التواجد الفاعل والمؤثر داخل الدوائر النيابية سواء أتى ذلك عبر التمثيل المباشر القائم على التصويت الشعبي أو كان عبر الانتقاء والاختيار الناتج عن وجود نسب للتعيين تكون بيد الرئيس الأعلى للسلطة التنفيذية يختار لها من يرى أنه قادر على القيام بتلك المهمة.
وحتى ندرك عمق الأزمة التي أنتجتها طبيعة المرحلة العابرة للأيدولوجية والتي ترتكن لممكنات التأثير على الانحياز التصويتي المتأثر بالمنح والعطايا فيكفي أن نتوقف أمام جدلية النظام الانتخابي المختلط الذي يجمع ما بين الفردي وبين القوائم المغلقة المطلقة التي عززت من فرص وصول رأس المال ونواب الإرث العشائري وتملق السلطة للهيمنة على الفعل والقرار النيابي .
الغريب واللافت أنه وفقا لهذا المعيار أننا لو راجعنا التجربة المصرية لوجدنا أن الخطاب السياسي للعديد من الأحزاب التي تعرف نفسها باعتبارها تكوينات معارضة والتي تنتقد النظام الانتخابي المتضمن لنمط القوائم المغلقة المطلقة قد أتى تمثيلها الأساسي عبر هذا النظام الانتخابي وليس عبر أي نموذج هندسي آخر.
الأغرب أنه برغم رفض الأحزاب لهذا النظام الهجين ومطالبتها بالذهاب إلى أنظمة أخرى أكثر عدالة تمثيلا وتعبيرا عن إرادة الناخبين إلا أن القراءة الموضوعية تقول بأننا وصلنا إلى أعلى نسبة للتمثيل العددي للأحزاب السياسية وأكبر عدد من النواب الذين يمكن تعريفهم نظريا باعتبارهم معارضة في في المجلسين ( النواب – الشيوخ ) خلال الدورات الثلاث الأخيرة للاقتراع والتي شهدت ( 5 ) تشكيلات مؤسسية.
وربما من الضروري هنا أن نشير إلى البيان الذي أصدرته وزارة الشؤون النيابية والهيئة العامة للاستعلامات في تحليل نتائج انتخابات 2025 وتمثيل القوى السياسية داخل مجلس النواب الحالي وفقا لما احتوته بيانات المرشحين من معلومات وتوجهات سياسية.
على أن الإشكالية الأكبر التي أصابت هذا النظام الانتخابي والتصقت به أتت من معضلة كان سببها الرئيسي قيام رؤساء بعض تلك الأحزاب بانتقاء عناصر من الموالاة والمناصرين والأتباع لشغل تلك المقاعد باسم الحزب دون النظر لكون قدراتهم ومهاراتهم دون ذلك بكثير.
وليت الأزمة توقفت عند ذلك حيث تمادت بعض تلك الأحزاب فاستخدمت تلك الحصة – التي خصصت لها داخل تلك القوائم – كوسيلة لاصطناع مزايدات هدفها بيع بعض تلك المقاعد بحجة الصرف والإنفاق على الحزب وعلى الحملات الانتخابية.
لتظهر خلال الانتخابات الماضية الكثير والكثير من الفضائح المرتبطة بمطالبة الراغبين في الترشح بسداد أرقام مالية ( سداسية وسباعية الأصفار ) من أجل الفوز بالمقعد وأحيانا استبعادهم لعدم قدرتهم على سداد تلك المبالغ.
والنماذج متعددة وكثيرة ربما كان أكثرها فجاجة النموذج الخاص بإحدى النائبات التي مثلت واحداً من أحزاب المعارضة العريقة خلال الفصل التشريعي ( الثاني ) والتي رفع الحزب عليها عدد من القضايا بشيكات بدون رصيد أصدرتها تلك النائبة كثمن للمقعد حتى أنه عندما تقدم النائب العام بطلب لرفع الحصانة عنها استدعي رئيس هذا الحزب إلى اجتماع خاص في البرلمان من أجل حل تلك المشكلة والتي انتهت بسداد تلك النائبة لمبلغ مالي محدد تم التوافق عليه مقابل إقرار رئيس هذا الحزب بالتنازل عن كافة القضايا وبالتالي سقوط طلب رفع الحصانة عنها.
وحتى يتفهم البعض تداعيات ومخاطر النسق الانتخابي التشاركي داخل قائمة واحدة فإن الإشكالية لا ترتبط فقط باختيار الأتباع لعضوية البرلمان بدلاً من الكوادر السياسية أو حتى في خلق مزادات للتربح من وراء بيع تلك المقاعد.
حيث أن مشكلتنا أو أزمتنا الأكبر تكم في أن هذا النظام أتى للبرلمان بنواب معظمهم لا يستشعر قيمة للحزب الذي رشحه أو أهمية في الالتصاق بالصفة الحزبية وأن الرضاء العام لدوائر الدولة المؤسسية عنه هو الذي جعله يفوز بهذا المقعد.
وعليه فقد أصبح من الطبيعي أن يذهب هؤلاء المرشحون للدفاع عن مصالحهم الخاصة وتقديم خطاب لصيق بالسلطة عسى أن يضمن لهم ذلك الفوز والاستمرار في عضوية المجلس لاسيما وأنه في عدد من الحالات كان لدى رؤساء تلك الأحزاب رغبة في استبدال بعض المترشحين لكن تلك الدوائر المؤسسية تمسكت بنوابها على حساب الأسماء المقترحة من الذين جرى اختبار عودهم والتوافق معهم حول العديد من القرارات والتصويتات التي أثبتوا فيها أنهم طوع البنان إذا أرادت السلطة منهم أن يقولوا ( لا ) أو حتى إن أرادت منهم أن يقولوا ( نعم )
وحتى لا يُصبح حديثنا مجرد دخان في الهواء فيكفي أن نشير إلى عدد من الوقائع التي صوت فيها بعض هؤلاء النواب ومنهم رؤساء لهيئات برلمانية لأحزاب توصف كمعارضة ضد وعكس إرادة أحزابهم وجمهورهم في العديد من القضايا.
وهي حالات ربما نستطيع أن نحصر منها – على سبيل التدقيق الرقمي – ( سبعة ) نواب مختلفين من حيث الأسماء والانتماءات الحزبية صوتوا وتحدثوا في البرلمان بغير إرادة أحزابهم أو بعكس البيانات الجماهيرية الصادرة عن تلك الأحزاب في موضوع الملف البرلماني أو التشريع المعروض للتصويت.
بل وبدأنا نسمع من هؤلاء النواب تبريرات على شاكلة أن تصويتاتهم هي تصويتات شخصية وأنها تعبر عن شخوصهم بعيدا عن الحزب وموقفه المعلن متجاهلين ما تفرضه الادبيات السياسية بشأن الالتزام الحزبي أو ما ينتظره المواطن من نائب يفترض أنه صوت الحزب وعنوانه تحت قبة البرلمان.
ليصبح السعي لاقتراح نظام انتخابي بديل ليس هدفه الوحيد والأوحد مجرد الدفاع عن عدالة صوت الناخب وقيمته الموضوعية بقدر ما هو استعادة لتراث النضالات البرلمانية لنواب الأحزاب السياسية وتصحيح لعوار وصلت فجاجته إلى أن نائب ينتمي لحزب معارض كانت جلسته طوال الفصل التشريعي الماضي بين مقاعد نواب الموالاة والأغلبية حتى انه عندما تعرض لاحتمالية إسقاط الحصانة عنه وطلب من رئيس الهيئة البرلمانية لحزبه ان يتحدث مدافعا عنه على ما جرت به التقاليد فقال لهم ( وأنا مالي ما يتكلم عنه رئيس هيئه حزبه ؟ ) ليكون الرد ( ما هو انت رئيس هيئة حزبه !!!! )
ولهنا نكتفي



















