لم يعد الجدل الديني في الإعلام معركة حُجَج، بل صار – في كثير من الأحيان – معركة أصوات. هنا تتقدّم مقولة الإمام عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه من عمق التراث لتفسّر ارتباك الحاضر: «لو جادلني ألفُ عالمٍ لغلبتُهم، ولو جادلني جاهلٌ واحدٌ لغلبني».
ليست المفارقة في قوّة الجاهل، بل في طبيعة الساحة التي يُستدعى إليها العالِم. فالعلم يقوم على ضوابط، والحق يحتاج هدوءًا، والمنهج لا يعيش في فوضى الصراخ. أمّا الجهل فلا يعترف بتعريف ولا يلتزم بسياق، يخلط، يقاطع، ويستفزّ، ثم يخرج منتصرًا بصورة لا بحقيقة.
في الإعلام المعاصر، لا يُكافَأ مَن يُحسن البيان بقدر ما يُكافَأ مَن يُحسن الإثارة. تُختزل القضايا الكبرى في دقائق، وتُقتطع النصوص من سياقاتها، ويُدفَع العالِم إلى الدفاع لا الشرح، وإلى التبرير لا البيان. وهنا لا يُهزم الدين، بل يُظلَم.
المشكلة ليست في ضعف الحُجّة الإسلامية، فهي التي صمدت قرونًا أمام أعظم العقول. المشكلة في تحويل الدين إلى مادة للعرض، والعلم إلى مشهد، والاختلاف إلى صراع. عندها يغلب الجاهل لا لأنه على صواب، بل لأن قواعد اللعبة صُمِّمت لغير أهلها.
الدين لا يحتاج من يصرخ دفاعًا عنه، ولا من يتاجر باسمه، بل من يفهمه فيشهد له. والوعي لا يُبنى في حلبات الضجيج، بل في مساحات المنهج. لذلك، فإن أخطر ما يواجه الخطاب الديني اليوم ليس الخصومة، بل ابتذال الحوار.
وحين نُدرك ذلك، نفهم لماذا كان عليٌّ رضي الله عنه يخشى جدال الجاهل أكثر من مناظرة ألف عالم. لأن الجهل، حين يُمنَح منبرًا، لا يناقَش.. بل يُربِك.





















