عبد الغني الحايس يكتب: كفانا بكاء علي الاطلال .. حركة التاريخ لا تتوقف عن المضيّ قدمًا. رحل ملوك وأباطرة وقياصرة وسفّاحون، ونشبت حروب ومعارك راح ضحيتها الكثيرون، وسُفكت دماء بلا رحمة، وغضبت الطبيعة، فدمّرت أعاصير وزلازل وبراكين مدنًا بمن فيها. واستمرت الحياة بين الموت والميلاد في حركة دائمة لا تتوقف، ولن تتوقف إلا بأمر الله وقت قيام الساعة.
دوّنت أحاديث الأقدمين على جدران معابدهم، وسطّر المؤرخون الأحداث لتظل حيّة تُروى لأجيال تتناقلها جيلًا بعد جيل، وآثار ما زالت شامخة تحكي تاريخًا عظيمًا، وغيرها طمسه عامل الزمن، وأخرى دُفنت في باطن الأرض، نبحث عن أسرارها.
وبين سطوع نهضة دول وأفول شمس مجدها، عاش مواطنون بين صعودها وانحدارها، فخورون بمجد أسلافهم، ويبكون على الأطلال حالهم، والآن وقت انكسارهم.
مصر صاحبة الحضارة والتاريخ، مصر التي علّمت العالم العلم والطب والفلك والهندسة، وتركت لنا ما عجز العلم الحديث عن اكتشافه.
مصر التي اختصّها الله وذكرها في القرآن والإنجيل والتوراة، مصر المتحف المفتوح لكل حضارات الدنيا القديمة، مصر الأزهر والكنيسة، مصر أبو الهول وخوفو وحتشبسوت ومينا وأحمس، مصر زويل ومجدي يعقوب، مصر أم كلثوم والعندليب، مصر الفن والثقافة والأدب، مصر الكبيرة القوية بأبنائها المخلصين.
في لحظات الإحباط والألم، كنت أذهب إلى ميدان التحرير، حيث يقبع المتحف المصري، وأقف لساعات أمام إرثنا ودليل تقدمنا ونهضتنا. كنت أنظر إلى تماثيل الملك زوسر والملك خوفو وخفرع ومنكاورع وشيخ البلد، أنظر إلى عيونهم، وأتأسف لهم، وأدرك صوتًا يؤنّبني على تهاوننا وتأخّرنا عن ركاب التقدم؛ فالعالم أتى ليرى توت عنخ آمون، ونحن في الجانب الآخر من هذا العالم.
ماذا ينقصنا لنكون في المقدمة؟ هل نظل نحيا على نظرية الشبهية ونتغنّى بالماضي؟ وأين الحاضر؟
بالأمس، كتب أحد الكُتاب الكبار في جريدة قومية عن إنجازات وزير التربية والتعليم في مجال التعليم الفني. لقد شوّه مثل هؤلاء الحقائق. هناك من يريد أن يُجامل على حساب الوطن، فكفى عبثًا، ودعونا نشخّص أمراضنا بشيء من الجدية. كفانا تجميلًا وكذبًا وتزييفًا للحقائق. نحن في أزمة حقيقية، وإن لم نعترف بها، فسنظل ندور في فلك الخداع والأباطيل، وكفى بكاءً على الأطلال.
العلم هو شجرة التقدم، والعمل هو ثمار حصاده. سنوات ضاعت ونحن نتمنى تطوير التعليم، وخضع لرغبات كل وزير، دون أن يكون هناك أساس ثابت يعمل عليه السابق واللاحق. وللأسف، ندّعي أن لدينا خطة وأهدافًا استراتيجية، ونبني رؤية ونسطّر نتائج، ونطلق استراتيجيات في مجالات مختلفة. وأعلن إعجابي بكل ما تم تدوينه من استراتيجيات، ولكن، وللأسف، منذ تدوينها… ماذا حققنا منها؟ لا شيء.
لدينا طاقة هائلة من شباب هذا الوطن يجب استغلالها. يجب إعطاء الفرص بشكل متساوٍ أمام الجميع، بعيدًا عن التحيّز والمحسوبية. علينا أن نعترف بأننا لم نستغل قدراتنا البشرية بالشكل الصحيح. سيقول البعض إن “تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين”، و”الأكاديمية الوطنية للتدريب”، ونشاط وزارة الشباب والرياضة، وأمثلة أخرى لتمكين الشباب والمرأة، كافية. وأنا أقول، وبكل ثقة: ليست كافية، وفيها نوع من المحسوبية، فقلّبوا في الأوراق.
في النسخة الأخيرة من مؤتمر الشباب، تفاخر البعض على مواقع التواصل الاجتماعي بأنه حضر للمرة السادسة أو الخامسة. حتى من يحضر المؤتمرات الرئاسية والحكومية هم أنفسهم، لا يتغيّرون، وتدور كل الأحداث في فلكهم.
نحتاج إلى العدالة في كل شيء، وأن يحظى الجميع بفرص متساوية. وإن أردنا الشفاء من أمراضنا، علينا اتباع خطوات العلاج بشكل صحيح؛ فالدواء مُر، ونتحمّل مرارته في سبيل نهضة الوطن.
وكما تحمّلنا كل إجراءات الإصلاح الاقتصادي وما زلنا نتحمّل كل الضغوط، ولم نحظَ بعد بالراحة أو بمؤشرات على أننا في طريقنا نحو القمة.
بالأمس، زادت أسعار المحروقات، وما يتبعها من معاناة سيتحمّلها المواطن، وفي المقابل لدينا حكومة تسدد اللكمات فقط للمواطن.
لم تُراعِ حال هذا المواطن البائس بنوع من الطمأنينة: أن يكون لديه تعليم جيد، وصحة تداوي جراحه دون معاناة، وأن يتحسّن وضعه المعيشي، ويُحقّق له العيش الكريم، وينعم بالحرية.
أما أن يظل يتحمّل الفاتورة وحده، دون أن نرد له الجميل بحياة كريمة، دون أن تُعدّل الحكومة من سياساتها، أو تتبنى الاستراتيجيات وتضع خطة زمنية لتنفيذها، دون أن تُداوي أخطاءها، أو تُعالج القصور في سياساتها، دون تمكين حقيقي للكفاءات، أو احترام للقانون والدستور، دون حرية في الرأي والقول، ودون أن يشعر المواطن أنه شريك حقيقي في التنمية… دون أن يكون فاعلًا ورقمًا واحدًا في المعادلة من أجل التنمية والرفاهية، ودون أن تُحقق له أحلامه وتطلعاته، فلتستقل تلك الحكومة التي لا تراعي ولا تهتم بمواطنيها.
الزمان لا يرجع إلى الوراء، ولكن علينا أن نستفيد من دروس التاريخ وحركته. علينا أن نقرر أننا كبار، وذوو تاريخ عظيم، ويجب أن نُعيد مجد الأجداد، لأننا حقًا نستحق، بما نمتلكه من قوة بشرية، وما وهبته لنا الطبيعة، وما نمتلكه من إرث تاريخي وحضاري عظيم، أن نكون في المقدمة.
كلّنا دعم للدولة المصرية في كل ما تواجهه، حمايةً للأمن القومي، وصونًا للتراب المصري، ومع حكومة تعمل جاهدة على إعادة المجد المصري، وتحقيق العيش الكريم والحياة الكريمة لمواطنيها.
اقرأ أيضا: عز الدين الهواري يكتب: إيباك الحكومة الخفية التي تقود العالم نحو الفوضى





















