الموالد هى احتفالات شعبية بأحد أولياء الله الصالحين، وهو تقليد منذ زمن الفراعنة عندما كانوا يقيموا احتفالات لإيزيس وامون، وما بعدها من عصور لاحقة كان هناك احتفالات تقام، ويحتفل الأخوة المسيحين بأعياد أحد القديسين والشهداء، كما يحتفل المسلمين بأولياء الله الصالحين وأل البيت النبى المطهر.
نحن هنا نسرد احتفالنا بمولد كان يقام لشيخ فى قريتنا، سيدنا الجلالى وهو احد أولياء الله، لا معلومات لدى عنه سوى ان له مقام وضريح بمكان بالقرية، وأنة جاء فى المنام لأحد كبار القرية وطلب منة أن يقيم لة هذا الضريح، وان يقام لة احتفالية كبرى، واصبحت عادة لكل الخلف ان تقام تلك الليالى كموروث شعبى للقرية.
وتختلف الموالد فى الوجة البحرى عن الوجة القبلى او تختلف كل قرية عن الأخرى فى طريقة الإحتفالات او مدة المولد، ولكن تبقى هناك سمات كثيرة مشتركة بينهما جميعا.
وقبل المولد بأيام تقام ليالى الحضرة التى يقيمها كبار رجال القرية قبل الليلة الكبيرة، ويهرع اليها جميع سكان القرية بعد صلاة العشاء للذكر وسماع احد المداحين وتنتهى بقطعة خبز ومشروب قرفة ساخن، وتنتقل الى ليلة اخرى عند احد الأهالى حتى يوم المولد .
فى تلك الأثناء يبدأ توافد أصحاب المراجيح، والألعاب النارية والعاب الحظ والباعة الجائلون والأهم بائع البوظة التى كنت أحبها، وغيرها كثير من الألعاب الخاصة بالأطفال.
وكان والدى يقيم ليلة من ليالى الحضرة قبل المولد، وكنا نساعد على ظهور تلك الليلة بنجاح ونقوم بخدمة اهل القرية الذين جاءوا للذكر ونتشارك معهم كل ما يؤدونة فى تقليد راسخ، ونقوم بدعوة أقراننا الى هذا الحفل الذى نتباهى به.
وفى الليلة الكبيرة التى تبدأ بعد صلاة العصر، حيث يأتى شيوخ الطرق المختلفة من الطريقة العنانية والرفاعية والشاذلية وغيرها من الطرق، وتتزين كل طريقة بزيها ومعهم حملة الرايات لكل طريقة، ويمشى شيخ كل طريقة محاط بأعلام ورجال طريقتة، ويظهر علية الوقار ، ودائم الذكر لله وبشوش، ويمسح بيدية على رأس الأطفال الصغار التى تخرجهم امهاتهم للشيخ اثناء مرورة امام البيت، حيث كان يمر هذا الموكب كل شوارع القرية، ووسط زغاريط وابتهاج من السيدات، والتى تقوم بتوزيع الحلوى على الأطفال حيث تقوم بقذفها فوق رؤوس الموكب وتجمع الاطفال.
كما يتقدمهم عربة عليها الميكرفون وشيخ يقوم بمدح النبى العدنان، الناس فريقين كل فريق مقسم الى صفين طويلين يحملون سيوف ويتطوحون يمينا ويسارا شاهرين السيوف، يؤدون حركات منتظمة معا وعلى انغام الفرقة التى تحمل الدفوف وتعزف انغام موسيقية تتوافق مع ما يقولة الشيخ المداح.
ويتم دعوة الأهل والاصدقاء والأقارب الذين هجروا القرية، وكان الجميع يعود فى هذا اليوم مهما كانت مشاغلة، فالمولد فرصة لإلتقاء الأهل وفرصة لصلة الرحم وتأصيل هذا الإرث المتوارث.
وتنتهى تلك الزفة التى تكبر فى كل خطوة تخطوها أثناء تجوالها شوارع القرية، الى الوصول الى مقام الشيخ، وبعدها ينتهى الموكب الى اماكن تناول العشاء، حيث تنتطلق السيدات تحمل صوانى الطعام لتقدمها للغرباء الوافدين على القرية.
وبعد صلاة العشاء يبدأ الجميع فى القرية والقرى المجاورة فى الحضور الى مكان الحفل بجوار ضريح الولى، ويكون هناك استعداد مكثف فى تجهيز كل مستلزمات السهرة التى تنتهى مع قيام الشيخ بأذان الفجر .
يتم تجهيز اجهزة الكاسيت لتسجيل القصة الأسطورية التى يشدوا بها الشيخ، ويتخللها مقاطع لا تنتهى فى المدح وابراز العظة والعبرة والحكمة، وتظل هناك كلمات وجمل خالدة يرددها الأهل بعد الحفل.
كان يتم تجهيز المسرح عبارة عن مقطورتين مضمومين الى بعضهما البعض احداهما تحمل الفرقة المصاحبة للشيخ، واخرى للشيخ المنشد يتجول عليها ويتمايل مع الأنغام والمواوويل التى يشدو بهان وتصاحبة موسيقى روحانية تجعلك تدخل فى حالة من التوهج الخيالى، ويتم تفريغ المنطقة امام الشيخ للأهالى الذين يقومون بالذكر، وقد يتطوح احدها فى حالة هيستيرية وكأن شىء أصابة، ويتطوع البعض بإسنادة وهو يتمايل فى سرعة كبيرة حتى يهدأ .
لذا يجب المحافظة على هذا الموروث الشعبى بشكل مستمر، واحرص على حضور مولد سيدنا الحسين والسيدة زينب والمشاركة فى احتفالات القديسين كمارجرجس ومولد السيدة مريم العذراء الذى اتمنى حضوره، حيث يشهد تجمعات بشرية غير مسبوقة، وكما قال استاذنا الكبير كمال زاخر تلك الموالد هى مصايف الغلابة.
حقا ترى الفرحة فى عيون الجميع، ترى الكرم وحسن الإستقبال للضيوف من القرى المجاورة، فى الموالد ترى الروحانيات وتأصيل الموروث، وتحافظ على الفن الشعبى والتراث الشعبى والهوية والعادات والتقاليد .
فى الموالد تكثر الحكايات والحواديت، ويتداول الأهالى كرمات الشيخ صاحب الضريح، ويتوافد السيدات كل جمعة لزيارته وفاء بالنذور، وتنتشر الأطفال فى أرجاء المكان فى انتظار النذور التى يتهافتون عليها فى فرحة عارمة.
ويبقى مولد وصاحبة غايب، وحكايات لا تنتهى





















