حفلات أم كلثوم القديمة بين 1937 و1952 تُشبه المخطوطات إلى حد كبير، ويمكن دراستها كمخطوطات صوتية، فبسبب إمكانات التسجيل المتواضعة فيها من التشويش ما يُشبه البُقع والرطوبة التي تنتاب صفحات المخطوطات، وكما تُسبب هذه عُسر القراءة يُسبب التشويش في بعض المواضع عُسر الاستماع أو يُكدر مزاجه، وكما تعوضنا جودة الخط ونفاسة النص بمُتعة إضافية تُنسينا البقع والرطوبة، فإن صوت أم كلثوم المعجز في تلك الحقبة، وعبقرية ملحنيها وعازفيها تُنسينا التشويش وتُبقينا محلقين في الوجد والنشوة.
وكما يُصاب كثير من المخطوطات بخروم وأسقاط نتيجة عوادي الزمن، أصيبت كذلك بعض تسجيلات الحفلات القديمة لأم كلثوم بها، لكن هذه الأسقاط والانقطاعات لم تكن بسبب عوادي الزمن على الشريط الناقل فحسب، بل من أسبابها أن الأغنية المغناة في الحفلة كانت تُسجل على عدة أسطوانات، إذ لم تتوافر حينئذ أشرطة تبلغ الساعة وتتجاوزها، فكان الهاوي يُسجل على أسطوانة قصيرة، وفور أن تنتهي يضع أسطوانة أخرى، وهكذا، وفي وقت تبديل الأسطوانة ربما ضاعت عدة ثوان أو أكثر من غناء الآنسة، ربما كانت الانقطاعات والأسقاط شديدة الظهور في تسجيل وصلة (اذكريني) القديمة عام 1939، ونشعر بها أيضًا في حفلات (كيف مرت) و(أتعجل العمر) و(مقادير) وهي ترجع إلى العام السابق 1938.
نفس الشيء حدث في تسجيلات الشيخ محمد رفعت، وهو ما حدا الإذاعة للاستعانة بالشيخ أبو العينين شعيشع في ملء هذه الانقطاعات بصوته وبتقليد أداء الشيخ رفعت الذي كان يجيده.
وكما وصلتنا بعض المخطوطات ناقصة مبتورة وصلتنا تسجيلات من وصلات أم كلثوم القديمة، مثل وصلة (سلوا كؤوس الطلا) القديمة 1937 التي وصلتنا ناقصة البيتين الأخيرين رغم أن نسخة التسجيل تتجاوز 55 دقيقة، لكن يبدو أن الأشرطة المعدة للتسجيل لم تكفِ الوصلة مع طول تفريد أم كلثوم فيها، من الحفلات التي وصلتنا مبتورة أيضًا وصلة (يا طول عذابي) التي وصلتنا مبتورة المقدمة، ووصلة (رق الحبيب) المبتورة التي وصلتنا ناقصة الكوبليه الأخير، رغم أنها من أجمل حفلات الأغنية.
وكما وصلتنا كتب كثيرة مهمة عبر مخطوط وحيد، وصلتنا أغاني كثيرة مهمة عبر تسجيل وصلة وحيدة يتيمة، أهمها الخالدة المعجزة (هلت ليالي القمر) التي وصلتنا بتسجيل وصلة وحيدة عام 1944 فيما كانت الأغنية قدمت قبلها بعامين على الأقل، و(غنى الربيع) بتسجيل يتيم من عام 1943، و(يا طول عذابي) بتسجيل وحيد من النصف الأول من الأربعينيات والأغنية من عام 1938، وقبل ذلك (كيف مرت) و(يا قلبي بكرة السفر) و(أتعجل العمر) و(مقادير) بتسجيلات من العام 1938، وبعد ذلك التسجيل الفريد اليتيم لأغنية (حلم) عام 1947 والذي يُعتقد أنه ينفرد بخصيصة أخرى، أنها ليست الوصلة الوحيدة التي سُجلت فحسب، بل الوصلة الوحيدة التي غُنيت فيها الأغنية، إذ سرعان ما نشب النزاع القضائي بين أم كلثوم وزكريا أحمد، ولم يبلغنا أنها غنت الأغنية بعد ذلك رغم أنها ظلت تغني ألحانا أخرى له حتى أواخر الخمسينيات. أما (فاكر لما كنت جنبي) فكانت أغنية محظوظة أن وصلنا منها تسجيلان لوصلتين من الثلاثينيات، وهو حسن حظ نادر! كما وصلتنا (اذكريني) عبر وصلتين إحداهما 1939 والأخرى 1949، ووصلتنا (حبيبي يسعد أوقاته) عبر 3 وصلات اثنتان منها كاملتان، والثالثة تشتمل على الكوبليه الأخير فقط وسيرد ذكرها، ووصلتنا (الأولة في الغرام) عبر وصلتين أيضًا.
هناك تسجيل عجيب يشبه مجاميع المخطوطات، وهي المخطوطات التي يجمع ناسخها بين دفتيها أكثر من كتاب، أو مختارات يجمعها من كتب مختلفة، ذلك هو تسجيل وصلة (يا ليلة العيد) الملكية الشهيرة في النادي الأهلي عام 1944، إذ اشتمل على أغنية (يا ليلة العيد) والكوبليه الأخير من أغنية (حبيبي يسعد أوقاته) ألحقته أم كلثوم بـ(يا ليلة العيد) لحديثه عن العيد أيضًا، وهما معًا يشكلان الوصلة الثانية من الحفلة، واشتمل التسجيل كذلك على عشر دقائق من صدر الوصلة الثالثة وكانت (أنا في انتظارك)، ليشتمل بذلك على أغنية كاملة وأغنيتين ناقصتين، إحداهما ناقصة باختيار أم كلثوم، والأخرى لأن الشريط انتهى، أما الوصلة الأولى (رق الحبيب) فوصلتنا عبر تسجيل آخر.
في الجهة المعاكسة فإن بعض هذه الوصلات وصلنا بجودة ممتازة جدًّا قياسًا إلى حقبته الزمنية، كحفلة (رق الحبيب) في النادي الأهلي، وحفلة (الأولة في الغرام) الشهيرة ذات التفريد المعجز، وحفلة (غلبت أصالح في روحي) عام 1949.
وكما فٌقد كثير من كتب التراث ولم تصلنا مخطوطاته فُقد كثير من أغاني هذه الحقبة ولم يصلنا له أي تسجيل مثل (أفكر فيه وينساني) و(الورد فتح والياسمين) و(أنا وأنت) و(كل الأحبة اتنين) و(اكتب لي كتير)، كما فُقدت تسجيلات الحفلات لأغنيات وصلتنا عبر تسجيلات الأسطوانات والأستوديو مثل (إمتى الهوى) و(النوم يداعب عيون حبيبي) و(النيل).
المجال الذي كان ينبغي أن تعمل فيه مناهج علماء المخطوطات فعلًا هو الأشرطة الأصلية التي سُجلت عليها هذه الحفلات، والأشرطة الوسيطة التي نُقلت عليها حتى وصلت إلى النُسخ المرفوعة على الإنترنت، ولا أحسب هذا متاحًا في أكثرها لتشتت الأرشيف، وربما عدم العلم بأماكن وجود هذه الأشرطة اليوم، لكنّ ثمة مجالًا آخر متعبًا لعمل هذه المناهج، هو النسخ المكررة أو المنقوصة أو المطولة أو المشوهة التي يرفعها كثير من مفسدي التراث ضنًّا به على السميعة.





















