ما جرى في واقعة المترو لا يمكن عزله عن سياقه الأخطر:
(فكرة التغاضي) التغاضي هنا ليس حيادًا ولا حكمة ولا سعيًا للتهدئة بل هو الباب الواسع لتحويل المجتمع من دولة قانون إلى سلسلة من محاكم التفتيش المتنقلة ينصّب فيها كل فرد نفسه قاضيًا ووصيًا ومحققًا في حياة الآخرين.
حين نتسامح مع ما حدث اليوم سنجد أنفسنا غدًا أمام أسئلة لا تنتهي لا يطرحها قانون ولا يضبطها منطق بل يطلقها فضول عدواني مغطى بادعاء الفضيلة:
مش لابسة حجاب ليه؟
وراجعة متأخر ليه؟
بتضحكي ليه؟
كنتي فين؟
مين اللي معاكي دا؟
وبتتكلمي مع مين؟
هذه الأسئلة ليست بريئة وليست حرصًا وليست أمرًا بالمعروف بل هي اقتحام مباشر للحرية الشخصية وتكريس لفكرة أن الإنسان متهم حتى يثبت العكس وأن المرأة تحديدًا مطالبة دومًا بتقديم مبررات لوجودها وحركتها وخياراتها.
الخطر الحقيقي لا يكمن في واقعة واحدة، بل في تحويل الانتهاك إلى سابقة وفي إرسال رسالة صامتة مفادها أن التعدي مقبول وأن الوصاية مباحة وأن القانون يمكن تجاوزه باسم الذوق العام أو القيم أو أي شعار مطاطي آخر.
وهنا يبدأ الانهيار البطيء: لا أحد في أمان ولا أحد يعرف حدوده ولا أحد يعرف متى يصبح هو نفسه موضوع الاستجواب.
الدولة الحديثة لا تُدار بالاشتباه ولا تُحمى بالأهواء ولا تُبنى على الخوف، الدولة تُحمى بالقانون وتُدار بالمؤسسات، ويعيش فيها الناس أحرارًا ما داموا لا يعتدون على غيرهم.
أما حين يُترك المجال للأفراد لفرض تصوراتهم بالقوة أو بالضغط المعنوي فنحن لا نحمي المجتمع بل نفككه من الداخل.
الصمت على واقعة المترو ليس حفاظًا على الاستقرار بل تهديد مباشر له. والتساهل مع انتهاك الحرية اليوم يعني قبول انتهاك أوسع غدًا حتى يصبح السؤال المعتدي هو القاعدة والدفاع عن الخصوصية هو الاستثناء.
هذه ليست معركة فتاة ولا واقعة مترو بل معركة مجتمع كامل: إما قانون يحمي الجميع .. أو فوضى أخلاقية مقنّعة
يتحول فيها كل شخص إلى محكمة وكل شارع إلى غرفة تحقيق وكل امرأة إلى ملف مفتوح.
والاختيار هنا ليس صعبًا… لكنه حاسم.






















