الحديث عن أروى صالح ليس استدعاءً لاسمٍ مرّ في سياقٍ سياسي عابر بل مواجهة مفتوحة مع جرحٍ لم يلتئم.
هي لم تكن مجرد كاتبة خرجت على صفّ رفاقها بل كانت ضميرًا قرر أن يواجه حتى النهاية مهما كان الثمن.
في المبتسرون لم تكتب أروى سيرة ذاتية ولم تُقدّم بيانًا أيديولوجيًا مضادًا بل كتبت اعترافًا قاسيًا لجيلٍ ظنّ أنه يملك الحقيقة كاملة فاكتشف متأخرًا أنه كان يملك جزءًا من الوهم.
النص لم يكن هجاءً للثورة ولا شماتة في الرفاق بل تشريحًا دقيقًا لفكرة “النقاء” حين تتحول إلى قناع وللشعار حين يعلو على الإنسان.
كانت قسوتها صادمة لأنها لم تستثنِ نفسها. ولم تقف خارج الدائرة لتلقي الأحكام بل وضعت ذاتها في قلب المساءلة. اعترفت بالاندفاع وبالسذاجة أحيانًا وباليقين المغلق الذي لا يحتمل الأسئلة.
تحدثت عن التناقض بين الخطاب العام والسلوك الخاص عن المسافة بين الحلم الكبير والإنسان الهشّ الذي يحمله، وهذا ما جعل كلماتها موجعة؛ لأن الألم كان حقيقيًا وغير مصطنع.
أروى لم تواجه رفاقها بالصراخ بل بالصدق. لم تهدم التجربة من الخارج بل كشفت تصدعاتها من الداخل.
سألت السؤال الذي يخشاه كل تنظيم مغلق: ماذا لو كنا نحن جزءًا من المشكلة؟، ماذا لو كان الخلل في البنية لا فقط في الظروف؟.
في تلك اللحظة تحوّل النقد إلى فعل شجاعة أخلاقية وتحولت الكتابة إلى محاكمة ضمير.
لم يكن نصها مجرد مراجعة سياسية بل صرخة إنسان يبحث عن معنى وسط الركام.
كانت تقول بوعيٍ أو بوجعٍ صريح .. إن الفكرة حين تبتلع صاحبها تفقد إنسانيتها وإن الثورة التي لا تحمي أفرادها من الانكسار الداخلي قد تنتصر شعاريًا وتنهزم وجوديًا.
هذا العمق هو ما أبقى كتابها حيًا لأنه لم يكن عن زمنٍ بعينه بل عن آلية تتكرر كلما تحولت الأحلام إلى يقينٍ أعمى.
قد يختلف معها كثيرون وقد يرى البعض أنها بالغت في قسوتها لكن أحدًا لا يستطيع إنكار أنها دفعت ثمن صدقها كاملًا.
لم تختبئ خلف صمتٍ مريح ولم تساوم على رواية أقل إيلامًا. اختارت أن تقول ما رأت حتى لو خسرت الاصطفاف وحتى لو بقيت وحيدة في مساحة لا تحتمل أنصاف المواقف.
أروى صالح لم تترك لنا إجابات جاهزة بل تركت سؤالًا ثقيلًا: كيف نحمي الحلم من أن يتحول إلى سجن؟ وكيف نضمن أن تظل الفكرة في خدمة الإنسان لا أن يصبح الإنسان وقودًا لها؟
ذلك السؤال هو إرثها الحقيقي وهو ما يجعل الكتابة عنها اليوم ضرورة لا مجرد رثاء.





















