من أغرب المفارقات في بعض الخطابات المعاصرة أن هناك من يرفع راية الدفاع عن المرأة وحقوقها ثم ينتهي به الأمر إلى المطالبة بتقنين ممارسات تقوم في جوهرها على استغلال المرأة وتحويل جسدها إلى سلعة تُباع وتُشترى وتُستغل لتحقيق الربح.
فبدلًا من توجيه الجهود نحو معالجة الأسباب الحقيقية التي تدفع بعض النساء إلى الوقوع في دوائر الاستغلال كالفقر والبطالة والتهميش والعنف والحرمان من فرص التعليم والعمل الكريم نجد من يطرح حلولًا تختزل المرأة في جسدها وتتعامل مع استغلال هذا الجسد باعتباره حقًا أو حرية يجب الاعتراف بها قانونًا.
إن المجتمع الذي يحترم المرأة لا يسأل كيف يُشرعن استغلالها بل كيف يحميها من كل الظروف التي قد تدفعها إلى ذلك الاستغلال، ولا يبحث عن آليات تنظيم الاتجار بالجسد وإنما يبحث عن آليات توفير الحياة الكريمة والفرص العادلة والحماية الاجتماعية والاقتصادية التي تحفظ للمرأة إنسانيتها وكرامتها.
واللافت أن كثيرًا من هذه الدعوات تُقدم تحت عناوين براقة مثل الحرية الشخصية أو التمكين أو الاستقلال الاقتصادي بينما يغيب عن أصحابها سؤال جوهري: هل تكون الحرية الحقيقية في إضفاء المشروعية على استغلال الحاجة الإنسانية والفقر والضعف؟ أم في إزالة الأسباب التي تجعل الإنسان مضطرًا إلى قبول ما لا يقبله لو توفرت له حياة كريمة وفرص عادلة؟
إن الدفاع الحقيقي عن المرأة لا يكون بإعادة إنتاج صور جديدة من الاستغلال تحت مسميات حديثة ولا بتحويل الجسد الإنساني إلى وعاء للاستثمار والربح وإنما بتمكين المرأة علميًا واقتصاديًا واجتماعيًا وحمايتها من كل أشكال الاستغلال والابتزاز والإكراه المباشر وغير المباشر.
فالمرأة ليست سلعة وليست مشروعًا تجاريًا وليست جسدًا معروضًا في سوق العرض والطلب، فالمرأة إنسان كامل الحقوق والكرامة وقيمة المجتمعات تُقاس بمدى قدرتها على صون هذه الكرامة وحمايتها لا بمدى قدرتها على إيجاد الأطر القانونية التي تبرر انتهاكها.
ولذلك فإن الفارق كبير بين الدفاع عن حقوق المرأة والدفاع عن استغلال المرأة. الأول يسعى إلى رفع مكانتها وتعزيز إنسانيتها أما الثاني ـ مهما تلون بالشعارات والمصطلحات ـ فينتهي إلى النتيجة ذاتها: تحويل المرأة من إنسان يجب أن يُحمى إلى سلعة يمكن المتاجرة بها.
ولهذا فإن معركة الكرامة الإنسانية لا تبدأ من تقنين الاستغلال بل من مقاومته ولا تبدأ من تنظيم الاتجار بالجسد بل من بناء مجتمع لا تُدفع فيه امرأة إلى بيع كرامتها بسبب الفقر أو الحاجة أو غياب البدائل.
فالحضارة الحقيقية لا تُقاس بما تسمح به القوانين وإنما بما تحميه من قيم وفي مقدمتها كرامة الإنسان رجلًا كان أو امرأة.





















