كان نصر أكتوبر ذو مذاق خاص بالنسبة لنا في سيناء فلم يكن وقعه على المواطن هناك كما لو كان في القاهرة أو أي عاصمة عربية، فنحن كنا تحت وطأة المعاناة فلا سفر إلى القاهرة إلا بتنسيق مسبق مع الصليب الأحمر الدولي وقد يتأخر التنسيق، عام كامل يضيع من عمرك واقرانك سبقوك في الدراسة أو فجأة ينطلق الميكروفون ببيان إلى السكان بمنع التجول لأجل غير مسمى، ربما بحثا عن فدائيين أو للفبض على خلية تعمل لصالح المخابرات المصرية.
لاتستطيع أن تسهر على شاطئ البحر أو تنام في أي شالية لذلك كانت كل الشاليهات مهجورة، ليس هناك تواصل مع العالم الخارجي فلا الإرسال التليفزيوني المصري يصل ولا الجرائد بالطبع وأحيانا ربما تليفزيون لبنان أو الأردن صيفًا، بالإضافة إلى البث العبري من القنوات الإسرائيلية، ويتخللها فترة ساعة اخبارية باللغة العربية، لاتسمع إلا فلان تم إعتقاله أمس أو فلان تم تصفيته.
ولأن الحروب تصنع الرجال فقد كان النضج مبكرًا، فمن رحم المعاناه تولد الحكمة.. فبرغم أن عمري لم يتجاوز التسع سنوات في حرب يونيو 1967 فقد سجلت الذاكرة كل دفائق الأمور وماتلاها من أشكال المقاومة والمظاهرات والإضرابات والمنشورات ضد المحتل.
لقد أيقظت الحرب فينا رجولة مبكرة واستعداد للتضحية لان الموت أصبح فصلا من النهار تراه كل يوم بعينيك وليس مجرد حكايات تروى، فعندما حصلت على الثانوية العامة وحضرت إلى القاهرة بعد رحلة شاقة وبعد بدأ الدراسة بشهرين تقريبًا وجدت أن التفكير مختلف والثقافة مختلفة ووجدت صعوبة في التكييف مع نفس الفئة العمرية فكنت دائما أميل الى الزملاء الأكبر سنًا ممن يسبقوني في الكلية.
وعندما اندلعت حرب الاستنزاف بعد أن تجرعنا آثار هزيمة يونيو، كنا ننتظر كل يوم أن تمتد الحرب ليتم تحريرنا من عبودية المحتل الصهيوني إلى أن جاءت اللحظة الحاسمة التي جعلتنا نهتز فرحا في الشوارع، ونحن نجتمع حول المذياع، في كل بيان صادر من القوات المسلحة، بعد أن تجاوزنا محنة البيانات المفبركة، التي كان أحمد سعيد يتلوها من ميكرفونات هيئة الاستعلامات التي كانت بجوار بيتنا في يونيو الحزين.
وعند البيان الخامس الذي أذاعه حلمي البلك ابن العريش بعبور قواتنا المسلحة إلى الضفة الشرقية للقناه بلغت القلوب الحناجر فانطلقت الزغاريد من كل بيت، ولم تغلق المحلات وقت أذان المغرب فقد تناولنا الإفطار في الشارع في مأدبة عشوائية غير متصلة وبدأ كل منا يفكر، كيف نستطيع مساعدة قواتنا المسلحة ونحن خلف خطوط العدو.
فنشطت خلايا اللا سلكي النائمة تنقل الأخبار أولا بأول عن حشود العدو الى مكاتب المخابرات الحربية بغرب القناة، وعندما بدأ الجسر الجوي الأمريكي و الأسطول السادس الانزال على شاطئ العريش لاستعواض خسائر العدو الفادحة، تشكلت فرق منا لمحاولة عرقلة هذا الإمداد بوسائل بدائية.. بإغلاق الطريق البري الوحيد العريش القنطرة بجذوع النخيل أو بخوازيق من المسامير.
أما الفرق المنظمة فقد قامت بنسف ماتبقى من خط السكة الحديد القادم من غزة إلى العريش، لأن باقي الخط من العريش إلى القنطرة قد تم نزعه واستخدامه في تحصينات خط بارليف الذي أقامه العدو مع ساتر ترابي ضخم على شرق قناة السويس ليختبئ خلفه ولكن إرادة النصر وقوة العزيمة والإيمان بالحق والوطن أوجدت السبل لجعل هذا الخط ينهار في ست ساعات.
وطوال أيام الحرب كانت البيوت في سيناء في حالة تعبئة عامة يخططون لحرب طويلة سوف تنتهي بالتحرير لكامل التراب الوطني، وبرغم أن القبول بوقف إطلاق النار كان مخيبًا للامال إلا أن فرحة النصر جعلت الأعناق تشرئب إلى عنان السماء ونشوة الفرح اذلت أعناق المحتل الذي كان يختال أثر نشوة زائفة لحرب لم تكن جيدة الإعداد ولم تختبر الجندي المصري في يونيو 1967.
وعندما شد الجندي الرحال، وعلى قلب رجل واحد قالوا «بسم الله الله اكبر»، كان النصر المبين لرجال صدقوا ماعاهدوا الله عليه.. فتحية للأبطال في عيد نصرهم، وتحية من كل قلب لكل أسرة شهيد ضحى بنفسه لترتفع هامات الرجال ورايات الوطن خفاقة، وللقصة بقية.. إن كان في العمر بقية.






















