منذ زمن طويل لم أذهب لزيارة سيدنا الحسين في شهر رمضان فقد كانت آخر مرة منذ عقود حيث كان أبنائي صغارًا، وذهبنا كأسرة هناك، وتركت سيارتي على مسافة بعيدة من المسجد، وترجلنا في وسط زحام من البشر وكنا قد قررنا أن نتناول السحور في رحاب المشهد الحسيني، فقد اخترنا افضل المطاعم ” الدهان”.
وفي نهاية جولتنا وتأخر علينا كثيرًا نظرًا لإشغال كل الموائد وقارب الفجر على الأذان وتناولنا السحور قبل الفجر بدقائق وكان سحورًا لا يُنسى، فمن الصعب أن تتناول سحور بروتيني والأصعب أن لا يكون قد نضج، “نصف سواء” كما يجب ولكن “المضطر يركب الصعب”، ومنذ ذاك التاريخ لم نكرر التجربة.
ولكن بالأمس قررت أن أزور البيت فذهبت إلى مسجد السيدة زينب ليلًا، فوجدته مغلقًا، فتوجهت إلى الحسين وركنا السيارة في أحد الحارات في منطقة ضيقة للغاية وبصعوبة، ولو كنت أنا الذي يقود السيارة فمن المستحيل حشرها في هذا المكان الضيق ولكن كان معي مساعدي وهو كأحد أبنائي، فهو يجيد ذلك، ودلفنا إلى طرقات ضيقة تعج بالبائعين، منهم من يفترش الأرض أو أصحاب “بوتيكات” صغيرة، أما الباعة الجائلين فهم أكثر من الزوار.
ودخلت المسجد، وحييت، وسلمت، وقرأت الفاتحة، وخرجت من الباب الآخر الذي يصل إلى خان الخليلي، في المنطقة التي اصطحب فيها سيادة الرئيس ضيف مصر الكبير، رئيس فرنسا، إيمانويل ماكرون، ورأيت عدد لا بأس به من السياح الأجانب ولفت نظري أن” القهاوي” المنتشرة في المنطقة وأشهرهم الفيشاوي، وغيرها تكاد تكون خالية في حين أن هذه الأماكن حتى في غير رمضان، ألفناها مزدحمة، برغم أن كل منهم حرص على استصافة تخت شرقي يعزف ويغني لجذب الزوار.
وأيضًا لفت نظري عدم وجود سائحين عرب، وعندما قررت الجلوس لكي أحتسي كوب من الشاي مع مرافقي على أحد هذه المقاهي، فأتى النادل بصينية عليها الشاي، وعلبة مناديل، وزجاجات مياه، وطبق به لب، وسوداني، ومقرمشات، فطلبنا رفعها لأننا نريد شاي فقط فرد “خليها” ولم نلبث إلا دقائق.
فقد أزعجنا صوت الطبلة والغناء العشوائي، وطبعا دفعنا الحساب، وكأننا استهلكنا كل ما قدمه النادل عنوة، وأنت لا تجد مثل هذا التصرف في أي بلاد العالم التي تحافظ على السياحة، وتجعل السائح يعود مرة أخرى، ولا أريد أن أحدثك عن كم الباعة الذين مروا علينا ونحن جلوس، من تبيع السبح، والآخر يبيع أسماء مكتوبة بحروف مذهبة، وهذه تحمل طفلا تتسول، وأخرى تبيع تماثيل صغيرة، والأغرب من يحمل مجموعة من الكتب ويدور بها على المقاهي، والخلاصة.. إنك طول الوقت لا تسمع من يحدثك، إما من صوت الموسيقى أو من الباعة الذين يتناوبون المرور عليك.
لا أظن أن هذا المشهد موجود في أي مكان في العالم فكل ما يريدون بيعه موجود في المحلات من حولك، ولو كنت تريد الشراء فهو في متناول يدك، وغيرت مسار الخروج لأرى المقاهي الكبيرة وذاك المطعم العريق المكلين على ساحة المسجد وقد قاربنا على منتصف الليل فوجدت المقاهي والمطاعم لا زالت تبحث عن روادها والعاملين يكادون أن يشدوا المارة ــ على طريقة اللمبي في عزاء والده ــ ولا أعرف السبب؟!
هل الحالة الاقتصادية منعت الكثير من ارتياد المكان وقد كان قبلة حتى للقادمين من المحافظات في شهر رمضان، وما بال الإخوة العرب، هل التعامل الذي رأيناه نحن المصريين منفرًا للأجانب والعرب، وخاصة إذا حدث مغالاة في الأسعار، وما يحزنك حقا أنه بعد التجديد الرائع الذي قامت به الدولة للمسجد الحسيني، وساحته التي أصبحت تشبه ساحة الحرم النبوي، إلا أن أسرابا من الكلاب الضالة رابضة، تتجول أمام ساحة المسجد بحرية شديدة وتعوي على المارة بشكل مزعج.
وأخيرًا وصلنا إلى السيارة وعندما تحركنا حضر السايس فمد له مرافقي عشرون جنيها، فرفضها بعد أن نظر فيها باحتقار، فقال له ــ”هما الفكة اللي معايا”ــ فرفضها ورماها في شباك العربية بإشمئزاز، علمًا بأننا لم نمكث إلا أقل من ساعة، وكأن الشارع ملكه، وأن البارك له تسعيرة سياحية مثلا، وأننا كسرنا القاموس، وبضاعته خسرت، أو أتلفت، وتذكرت وقتها ذلك السايس الذي اعتدى على الطبيب أمام مستشفى إمبابة التي يعمل بها وطعنه وأودى بحياته، لأنه رفض دفع أتاوة الركنة، “ولكِ الله يامصر”.



















