في كل دورة من دورات معرض الكتاب لا تكون الحكاية مجرد أجنحة مزدحمة أو خصومات على الغلاف أو صور تذكارية أمام منصات التوقيع. الحكاية الأعمق تدور في مكان آخر: في سؤال بسيط شكله ثقيل الوزن – ماذا نقرأ عن أنفسنا؟ وأي صورة نحب أن نراها في المرآة حين نقف أمام رفوف الكتب؟ المعرض في جوهره ليس سوقًا للورق المطبوع فقط بل سوق للأفكار وميزانًا حساسًا لميول المجتمع وبوصلة صغيرة تشير إلى اتجاهات الوعي.
حين تتجول بين الأجنحة ترى أكثر من مجرد عناوين: ترى خوفًا يتخفى في كتب التنمية وحنينًا يطل من الروايات التاريخية وقلقًا يتكلم في عناوين السياسة وبحثًا عن معنى في كتب الفلسفة والدين. كل اختيار شراء هو تصويت صامت على صورة نريد أن نكونها.. السؤال لا يتعلق بما يعرض بقدر ما يتعلق بما يلتقط من الرف. هل نبحث عن الترفيه الخفيف للهروب من ضغوط الحياة؟ أم نبحث عن تفسير لما يجري حولنا؟ أم نبحث ببساطة عن أنفسنا؟ في زمن السرعة والضجيج تبدو القراءة فعل مقاومة هادئا ومحاولة لاستعادة شيء من التوازن وسط عالم لا يمنحك وقتا للتفكير.
اللافت أن خرائط القراءة تتغير كما تتغير خرائط السياسة والاقتصاد. قبل سنوات كانت الرواية تتصدر المشهد بلا منازع. اليوم تشاركها كتب السيرة والتحليل السياسي المبسط والتنمية البشرية وكتب كيف تفهم العالم في عشر خطوات هذا التحول ليس بريئا إنه انعكاس مباشر لقلق عام ورغبة في الفهم السريع وحاجة نفسية إلى إجابات جاهزة في عالم يزداد تعقيدًا.
لكن الهوية لا تصنع بالإجابات الجاهزة وحدها. الهوية تبنى بالسؤال وبالشك الصحي وبالقدرة على رؤية الذات من زوايا متعددة. هنا يصبح معرض الكتاب مساحة اختبار: هل نقرأ ما يؤكد ما نعرفه بالفعل أم نجرؤ على الاقتراب مما يربكنا ويهز يقيننا؟ هل نشتري الكتب التي تشبهنا أم تلك التي توسعنا؟
في أجنحة التاريخ تجد صراعا صامتا بين الحنين والنقد. هناك من يفتش عن أمجاد ماضية ليحتمي بها من قسوة الحاضر وهناك من يقرأ التاريخ ليعيد طرح الأسئلة الصعبة: لماذا وصلنا إلى هنا؟ وماذا أخطأنا؟ وكيف يمكن أن نتعلم؟ بين هذين المسارين تتشكل علاقة معقدة مع الماضي علاقة تؤثر مباشرة في تصورنا للمستقبل.. أما في أجنحة الفكر والسياسة فتظهر ملامح زمن مرتبك. عناوين عن التحولات الدولية وأخرى عن الدولة والمجتمع وثالثة عن الاقتصاد والحروب والهوية.
كثرة هذه الكتب تقول شيئًا واضحًا: الناس تريد أن تفهم. تريد خريطة وسط الضباب. لكن الفهم كما نعرف ليس وصفة سريعة. هو رحلة طويلة والكتاب الجيد لا يمنحك الطمأنينة دائما. بل يتركك أحيانًا أكثر قلقًا.. وأكثر وعيًا.. الرواية من جهتها ما زالت تحتفظ بدورها كمرآة للروح. لكنها لم تعد مجرد حكايات للهروب بل صارت في كثير من الأحيان مساحة لطرح الأسئلة المؤلمة: عن العدل، والسلطة، والهوية، والمدينة، والإنسان الذي يتغير أسرع مما يحتمل. اختيار رواية اليوم ليس بريئا هو اختيار لطريقة ننظر بها إلى أنفسنا والعالم.
اللافت أيضًا حضور كتب تطوير الذات بقوة. هذا الحضور يمكن قراءته بطريقتين: إما بوصفه بحثا مشروعا عن تحسين الحياة في زمن صعب أو بوصفه محاولة لتبسيط مشكلات معقّدة في وصفات سريعة. بين هذا وذاك يظهر قلق الإنسان المعاصر الذي يريد أن يكون أفضل لكنه لا يملك دائما وقتا كافيا للتفكير في معنى الأفضل نفسه.
معرض الكتاب بهذا المعنى يتحول إلى خريطة نفسية للمجتمع. من يراقب حركة الشراء وطبيعة الأسئلة ونوعية الإصدارات التي تحظى بالاهتمام يستطيع أن يقرأ ما وراء الأرقام: خوفا من المستقبل وحنينا إلى الاستقرار ورغبة في الفهم وتوقا إلى معنى أوسع للحياة. إنها صورة مركبة لا تختزل في عنوان واحد لكنها تقول الكثير عن لحظتنا الراهنة.
يبقى السؤال الأصعب: هل نقرأ لنؤكد هويتنا أم لنراجعها؟ الفرق بين الأمرين كبير. القراءة التي تؤكد فقط قد تمنحك راحة مؤقتة لكنها قد تحوّلك إلى أسير دائرة مغلقة. أما القراءة التي تراجع فتتعبك قليلا لكنها تفتح نوافذ. والهوية في النهاية ليست قالبا جامدا بل عملية مستمرة من الأخذ والرد من الثبات والتغير.
في زمن السوشيال ميديا حيث تختصر الأفكار في سطور وتختزل القضايا في عناوين يصبح للكتاب دور مضاد: أن يعيد الأشياء إلى حجمها الحقيقي وأن يذكرنا بأن الفهم يحتاج وقتا وأن الهوية لا تبنى بمنشور بل بتراكم أسئلة وتجارب وقراءات.
ربما لهذا السبب يظل معرض الكتاب حدثا يتجاوز كونه مهرجانا ثقافيا. هو لحظة مواجهة هادئة مع الذات. لحظة تسأل فيها: ماذا أريد أن أقرأ؟ ولماذا؟ وماذا يقول هذا الاختيار عني؟ في الإجابة عن هذه الأسئلة الصغيرة تتشكل صورة أكبر: صورة مجتمع يحاول أن يفهم نفسه وسط عالم سريع، مضطرب ومفتوح على كل الاحتمالات.
في النهاية لسنا ما نكتبه فقط ولا ما نقوله فقط بل أيضًا- وربما قبل كل شيء- ما نقرأه. ومع كل كتاب نختاره من رفوف المعرض نكتب سطرًا جديدًا في قصة هويتنا. قصة لم تغلق بعد ولن تغلق قريبًا.


















