كتب: محمود صبري
تأبى بإلا أن تكون عصية على التدجين في قالب إبداعي واحد، متمردة على السائد، ورافضة لاختزال كيانها الفكري والأدبي في زاوية ضيقة، إذ باتت اليوم رقمًا صعبًا في المشهد الثقافي والإعلامي، ونموذجًا لامرأة تجيد تطويع الصعاب؛ لتصيغ منها نجمًا لا ينطفئ، ألا وهي «ياسمين الخطيب» فإن المتابع لها جيدًا؛ سيعي أننا أمام شخصية تؤمن بأن المبدع الحقيقي هو من يملك شجاعة «تغيير جلده» والبحث الدائم عن مكامن التجدد؛ ليضحى حاضرًا في وعي الجمهور، ليس بجماله فحسب، بل بعمق أطروحاته ونفاذ بصيرته.
• «ورا الشمس».. حيث يبدأ البوح
في هذا الموسم الرمضاني، تطل علينا الخطيب عبر شاشة «قناة الشمس» في برنامجها الهارد توك «ورا الشمس»، الذي يعدُ محطة سديدة لعشاق الحوارات الساخنة بعد إفطار كل يوم. ففي «ورا الشمس”»، لا تكتفي ياسمين بالأسئلة التقليدية، بل تقتحم دهاليز النفس البشرية لنجوم الفن والرياضة والمجتمع، وتستنطق المسكوت عنه في حيواتهم بذكاء يجمع بين دهاء المحاور وحس الفنانة التشكيلية التي تلتقط التفاصيل الصغيرة، إذ تنجح الخطيب في انتزاع اعترافات لم تكن لتقال لولا قدرتها المُحلاة والمتبحرة على إدارة الدفة بتمكن؛ لتقدم وجبة إعلامية دسمة تمتزج فيها الجرأة بالمكاشفة.
• عبق التراث ونبل المنبت
لم تأتِ حالة التمرد والوعي لدى الخطيب من فراغ، فهي ابنة «آل الخطيب»؛ الأسرة التي حفرت اسمها في تاريخ الثقافة المصرية، فهي ابنة الناشر الراحل سيد الخطيب، وحفيدة المفكر والمؤرخ الكبير عبد اللطيف الخطيب، صاحب «المطبعة المصرية» التي كانت منارة للنشر في الشرق الأوسط منذ أربعينيات القرن الماضي. ولدت الخطيب بملامح يمتزج فيها السحر المصري بالجمال اللبناني (من جهة والدتها)، ونشأت في بيت تملؤه الكتب ورائحة الحبر، مما صقل وجدانها قبل أن تلتحق بكلية الفنون الجميلة بجامعة المنيا؛ لتتخصص في الفنون التشكيلية)، وتستكمل مسيرتها بنيل الدكتوراه الفخرية من الأكاديمية الأمريكية للعلوم والتكنولوجيا تقديرًا لعطائها الفني.
• المرأة الاستثنائية والوشم الصوفي
تبرز ياسمين الخطيب ــ امرأة «متعددة الأبعاد» ــ؛ فهي الفنانة التشكيلية التي أسست «جمعية نون النسوة» (حركة تشكيليات مصر) عام 2012؛ لترعى شؤون الفنانات وقضايا المرأة، وهي الكاتبة الصحفية التي زلزلت الوسط الثقافي بمؤلفات جريئة مثل «التاريخ الدموي»، «قليل البخت يلاقي الدقن في الثورة»، وكتابها الأشهر «أولاد المرة» الذي أثار جدلًا واسعًا عقب إصداره بين وسط العامة والنقاد، وصولًا لعملها «جمال معتق».
على ميمنة الخطيب، يستقر وشم «مدد بلا عدد» تلك الكلمات الصوفية التي تلخص هويتها وانجذابها للروحانيات وزيارة آل البيت، وكأنها تعلن أن خلف هذا المظهر الحداثي روحًا غارقة في التراث والوجد.
• الخطيب والمنطقة الشائكة: «مدرسة الحوار الجريء»
لطالما كان لـ «التريند» نصيب من حياة الخطيب، ليس سعيًا خلفه، بل لأن تصريحاتها تتسم بصدق صادم يفتقده الكثيرون؛ كحديثها عن تعدد الأزواج ــ افتراضًا ــ؛ لتسليط الضوء على قضية فقهية أو اجتماعية، وهو ما يسيء البعض فهمه متجاهلين ذكاءها الوقاد، وهنا تلمع الخطيب كأحد أعمدة نوعية البرامج التي ينتمي إليها «ورا الشمس»، وهي المدرسة التي تضم برامج “Hard Talk” والذي يتطلب محاورًا بمواصفات خاصة؛ قلبًا جسورًا ولسانًا بليغًا وقدرة على قراءة لغة الجسد، وهنا تكمن براعة الخطيب في هذا المضمار؛ بتميزها في إدارة الحوار؛ فهي لا تهاجم ضيفها بل تحاصره بالمنطق، وتستخدم مفردات لغوية رصينة تجعل من التصريح القوي جملة أدبية بليغة، إذ تجيد اقتباس التصريحات وتوظيفها في سياق يخدم الحقيقة، مما يجعل المشاهد أمام مبارزة فكرية ممتعة، لا مجرد لقاء عابر.





















