أسدل القضاء الصيني فصلًا جديدًا على واحدة من أبرز قصص الصعود والانهيار في تاريخ القطاع العقاري العالمي، بعدما قضت محكمة الشعب المتوسطة في شنتشن بالسجن مدى الحياة على هوي كا يان، مؤسس شركة إيفرغراند، بعد إدانته في قضية تضمنت جرائم مالية واسعة النطاق.
ولم يتوقف الحكم عند السجن، إذ قضت المحكمة بمصادرة جميع ممتلكاته الشخصية وحرمانه من حقوقه السياسية مدى الحياة، مع استمرار إجراءات ملاحقة واسترداد العائدات غير المشروعة، كما فرضت غرامة قدرها 8.82 مليار يوان على مجموعة «إيفرغراند»، إلى جانب غرامة أخرى بقيمة 7 مليارات يوان على ذراعها الرئيسية «هينجدا ريال إستيت».
من مطور صغير إلى واحدة من أكبر الإمبراطوريات
وتعود بداية قصة «إيفرغراند» إلى عام 1996، عندما أسس هوي كا يان شركته في مدينة جوانزو، معتمدًا على نموذج يقوم على طرح وحدات بمساحات أصغر وأسعار أقل، بما يسمح بسرعة البيع ودوران رأس المال.
ومع توسع الشركة، اعتمد نموذج أعمالها بصورة كبيرة على شراء الأراضي وتمويل التطوير بالديون وطرح الوحدات للبيع مبكرًا، ثم إعادة تدوير مقدمات وأقساط العملاء في استكمال المشروعات وسداد الالتزامات وشراء أراضٍ جديدة.
وبعد إدراج الشركة في بورصة هونج كونج عام 2009، توسعت قدرتها على الوصول إلى أسواق المال والتمويل، وبحلول نهاية 2011 كانت قد وصلت إلى أكثر من 200 مشروع في أكثر من 120 مدينة صينية، بينما تجاوزت مبيعاتها حاجز 100 مليار يوان لأول مرة في 2013.
وفي 2020، وصلت مبيعات الشركة السنوية إلى نحو 100 مليار دولار، بينما تجاوزت التزاماتها في مرحلة من مراحل الأزمة 300 مليار دولار، لتصبح واحدة من أكبر حالات التعثر العقاري في العالم.
الخطوط الحمراء الثلاثة تكشف أزمة السيولة
ومع بدء الحكومة الصينية تطبيق سياسة «الخطوط الحمراء الثلاثة» في 2020 للحد من اعتماد شركات التطوير على الاقتراض والرافعة المالية، تعرضت «إيفرغراند» لضغوط متزايدة، بالتزامن مع تباطؤ مبيعات العقارات وتضييق مصادر التمويل.
وبدأت الشركة في 2021 مواجهة صعوبات متزايدة في الوفاء بالتزاماتها، قبل أن تدخل مرحلة التعثر، وتتوقف أعمال في عدد من المشروعات، وتتراجع أسهمها وسنداتها، فيما طالب الموردون والمقاولون والمستثمرون بمستحقاتهم.
وأعلنت إيفرغراند لاحقا عن خسائر صافية بلغت نحو 476 مليار يوان في 2021، ثم خسائر إضافية قدرها 105.9 مليار يوان في 2022.
ولم تتوقف الأزمة عند الديون، إذ أعلنت هيئة تنظيم الأوراق المالية الصينية في 2024 أن الوحدة الرئيسية للمجموعة بالغت في تسجيل الإيرادات خلال عامي 2019 و2020 بإجمالي يقارب 564 مليار يوان، بما يعادل نحو 78 مليار دولار.
وفي يناير 2024، أمرت محكمة في هونج كونج بتصفية مجموعة «تشاينا إيفرغراند» بعد فشلها في تقديم خطة إعادة هيكلة قابلة للتنفيذ لدائنيها، قبل إلغاء إدراج أسهم الشركة في بورصة هونج كونج خلال أغسطس 2025.
وفي أبريل 2026، أقر هوي كا يان بالذنب في ثماني تهم، من بينها الاحتيال في جمع الأموال، وإساءة استخدام الأموال، وجمع ودائع من الجمهور بصورة غير قانونية، ومنح قروض بصورة غير قانونية، والاحتيال المرتبط بإصدار أوراق مالية والرشوة.
الطنطاوي: تجربة إيفرغراند تستحق التوقف أمامها
وعلق الدكتور طارق الطنطاوي، استشاري إعادة الهيكلة وتطوير الشركات، على الحكم الصيني، معتبرًا أن تجربة «إيفرغراند» تمثل نموذجا لما يمكن أن تؤول إليه الشركات التي تتوسع بصورة مفرطة دون الحفاظ على أسس مالية وإدارية سليمة.
وأشار الطنطاوي، إلى أن من بين الأخطاء التي ارتبطت بأزمة الشركة الصينية «تزوير حسابات الشركة عشان تبان كسبانة»، معتبرًا أن تقديم صورة مالية غير حقيقية ساهم في تمكين الشركة من جمع أموال والاستمرار في التوسع.
ورأى طارق، أن الدرس الأهم من الأزمة يتعلق بضرورة التفرقة بين حجم المبيعات وحقيقة القوة المالية للشركة، موضحًا أن تحقيق مبيعات ضخمة لا يعني بالضرورة امتلاك سيولة كافية أو قدرة مستدامة على الوفاء بالالتزامات.
وتسلط تجربة إيفرغراند الضوء كذلك على مخاطر اعتماد شركات التطوير على استمرار تدفق التمويل ومقدمات العملاء لتمويل توسعات جديدة وسداد التزامات سابقة، إذ يمكن أن يتحول أي تباطؤ في المبيعات أو تشدد في التمويل إلى أزمة سيولة واسعة.
وبالنسبة للسوق العقاري المصري، تبرز التجربة أهمية فحص الملاءة المالية للمطورين، ومصادر تمويل المشروعات، وقدرتهم على استكمال التنفيذ، وشفافية البيانات المالية، وحماية أموال العملاء، بدلًا من النظر فقط إلى حجم المبيعات أو عدد المشروعات التي تطورها الشركة.
ولا يعني استحضار تجربة «إيفرغراند» أن السيناريو ذاته سيتكرر في السوق المصري، لكن سقوط واحدة من أكبر شركات التطوير في العالم يظل مثالًا واضحًا على أن النمو السريع والرافعة المالية يمكن أن يتحولا من أدوات للتوسع إلى مصادر للخطر، إذا لم تدعمهما سيولة حقيقية وحوكمة قوية وإدارة رشيدة للالتزامات.
اقرا ايضا: واتساب يطلق «اسم المستخدم» ويعيد تشكيل التواصل في القطاع العقاري





















