كتب – عمرو خان
مصر تسابق الزمن في مواجهة أزمة اقتصادية ثلاثية الأوجه.. وشكوك دولية بقدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية.
الحكومة نجحت في سداد 8 أشهر من فوائد وأقساط الدين الخارجي.. وتسعي لتدبير قيمة 4 أشهر متبقية.
تشغل قضية مدي قدرة الحكومة المصرية على الوفاء بالتزامتها المالية بالنسبة للدين العام الخارجي مساحة كبيرة من اهتمام الرأي العام على المستوي المحلي والدولي، نظرًا للتداعيات الاقتصادية شديد الصعوبة التي يواجهها الاقتصاد المصري منذ النصف الثاني من العام المالي 2019-2020 وحتي الوقت الراهن.
ولكن السؤال الأكثر أهمية هو هل سددت مصر فوائد وأقساط ديونها الخارجية المستحقة عليها لصالح جهات التمويل الدولية حتي نهاية العام المالي 2022-2023؟ وما هي أسباب الأزمة؟ وماذا عن الحلول؟.
تشكك شريحة عريضة من التقارير الاقتصادية الدولية من قدرة الحكومة المصرية على الوفاء بإلتزماتها المالية لسداد فوائد وأقساط الدين العام الخارجي، وعززت شكوكها بواقع أزمة توفير العملة الأجنبية في السوق المصرية، وبينت أن إمكانية استمرارية الحكومة في الوفاء بإلتزماتها تجاه فوائد وأقساط الدين الخارجي ستكون مرهونة بمضي قدرتها على توفير العملة الصعبة.
من جانبها أعلنت الحكومة عبر الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء عن التزام مصر بسداد أكثر من نصف تريليون جنيه من فوائد وأقساط ديونها خلال أول ٨ أشهر من العام المالى ٢٠٢٢/٢٠٢٣، وذلك رغم الضغوط الاقتصادية التى فرضتها تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على الاقتصاد المصرى.
واقتصر تقرير الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء على موقف الحكومة من الأشهر الثمانية الأولي من العام المالي 2022-2023، بينما لم يتضح موقف الأشهر الأربعة الأخيرة من العام المالي نفسه وهي (مارس؛ إبريل؛ مايو؛ يونيو)، لاسيما تلك هي الأشهر التي أثارت حفيظة الرأي العام الدولي تجاه موقف الحكومة المصرية من قدرتها على الوفاء بإلتزامتها المالية للدين الخارجي.
بين التقرير الحديث الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بشأن قيمة ما تم سداده من فوائد وأقساط الدين العام الخارجي أن قيمة الفوائد المسددة ارتفعت في الأشهر الثمانية الأولي من 2022-2023 لـ ٥٤٣.٣ مليار جنيه، مقابل ٣٩٠ مليار جنيه في نفس الفترة من العام المالي السابق.
من جانبه أوضح البنك المركزي المصري أن إجمالي الفوائد والأقساط المستحق سدادها خلال النصف الثاني من عام 2023 يُقدر بـ11.327 مليار دولار، وذلك وفقاً لتقرير الوضع الخارجي للاقتصاد المصري الصادر عن البنك، فإن قيمة الفوائد المستحق سدادها خلال النصف الثاني من العام الحالي تبلغ 2.96 مليار دولار، بالإضافة إلى 8.367 مليار دولار قيمة أقساط مستحقة من الديون.
كما أوضح التقرير أن قيمة الفوائد والأقساط المستحق سدادها في عام 2024 تبلغ نحو 28.049 مليار دولار، من بينها فوائد بقيمة 5.47 مليار دولار، وأقساط ديون بقيمة 22.577 مليار دولار.
ويري الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، رئيس مجلس إدارة شركة العربية للسبائك، أنه في حال عدم إعلان الحكومة المصرية عن عدم قدرتها على الوفاء بسداد إلتزماتها المالية فيما يتعلق بالدين العام الخارجي، فهذا يعني إلتزامها بسداد الفوائد والأقساط في موعدها المحدد، مضيفًا أن معضلة الدين الخارجي تتعلق بوفرة العملة الأجنبية (الدولار الأمريكي)، فإذا توفر الدولار؛ لا يوجد مشكلة في سداد فوائد وأقساط الدين.
وكانت سجلت ديون مصر الخارجية ارتفاعاً بنسبة 12% على أساس سنوي مقارنةً بنهاية ديسمبر 2021، حينما سجلت 145.5 مليار دولار (أي بزيادة قدرها 17.4 مليار دولار).
وأضاف “نافع” لـ”الحرية”، قائلًا:” أن الخطط المتعلقة بالجدول الزمني لسداد اقساط الدين الخارجي على مصر، تم وضعها لسبع سنوات مسبقًا، وتعتمد هذه الخطط بشكل أساسي على وفرة الدولار، والذي يعتمد بشكل رئيسي على إجمالي إيرادات الدولة الدولارية، ونظرًا للظرف الاقتصادي الذي تمر به البلاد، فإن حجم مصروفات الدولة أكبر من حجم إيراداتها، مما يشكك في قدرة الوفاء بالإلتزامات المالية للدين الخارجي”.
ورغم أن البيانات الرسمية للبنك المركزي تشير إلى أن احتياطي مصر من النقد الأجنبي ارتفع في يناير 2023 للشهر الخامس على التوالي إلى 34.224 مليار دولار مقابل 34.003 مليار دولار في ديسمبر 2022، بزيادة بلغت 221 مليون دولار، إلا أن تقرير الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء يشير إلي أن احتياطيات النقد الأجنبى ارتفعت لتصل إلى ٣٤.٦ مليار دولار حتى أوائل شهر يونيو 2023، مقابل ٣٣.٤ مليار دولار في نفس الشهر من 2022، بزيادة قدرها ١.٢ مليار دولار، وتكفى احتياطيات النقد الأجنبى لتغطية واردات البلاد السلعية لمدة ٥.٥ شهر.
ويتضح من المؤشرات المتعلقة بوفرة احتياطي النقد الأجنبي أن المتاح من العملة الصعبة لدي الحكومة بات من المخصصات المالية لتوفير واردات السلع في السوق المصري خلال الأشهر الخمسة ونصف المقبلة، أي حتي منتصف ديسمبر 2023، ما يستوجب الكشف والإيضاح عن آليات الحكومة في توفير العملة الأجنبية خلال هذه الفترة لسداد فوائد وأقساط الدين الخارجي، والوفاء بالإلتزامات الداخلية.
الحلول والبدائل واختيارات “الاقتصاد الحقيقي”
يؤكد الدكتور مدحت نافع في حديثة لـ”الحرية”على أن الدولة اتخذت العديد من الإجراءات التي مفادها توفير العملة الصعبة، منها: التخارج من المشروعات القومية، بهدف تحقيق بيئة تنافسية سليمة بين تلك الشركات والكيانات التابعة للحكومة وباقي شركات القطاع الخاص العاملة بالسوق المصرى، وأيضًا؛ تعديل قانون السماح لشراء الأجانب للعقارات في مصر رقم (230) 1996، بهدف جذب العملة الصعبة، والاستفادة من الثروة العقارية المصرية الحديثة والمتطورة، مما يدفع بمزيد من العملة الأجنبية بشكل مباشر إلي خزانة الدولة.
وتعد هذه الإجراءات جزء من حزمة إجرائية اتخذتها الدولة نحو تعزيز قدرة الحكومة المصرية على الوفاء بالتزاماتها الخارجية، فضلًا عن بيع حصص من الأصول المملوكة للدولة ومشاركة القطاع الخاص في إدارتها وتشغيلها، مع الاستمرار في زيادة حجم الناتج المحلي الإجمالي، وارتفاع حجم الصادرات المصرية، وخلق قيمة مضافة من التصنيع المحلي، وتنشيط القطاعات الخدمية مثل القطاع السياحي، وجميعها عناصر أساسية تساهم بشكل كبير في ثبات التصنيف الائتماني لمصر.
وتحدث “نافع” عن ما يعرف بـ”الاقتصاد الحقيقي”، وهو: مصطلح اقتصادي، ذكره الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال كلمة له في أحدي المؤتمرات، يقول “نافع”:” أن الاقتصاد الحقيقي هو طوق النجاه من هذه الأزمة الاقتصادية، فإن فاتورة الاستيراد يجب أن تقل عن ما وصلت إليه، وفي المقابل يظل الاستيراد للمواد والسلع اللازمة لدفع عجلة الإنتاج المحلي والتصنيع الوطني فقط؛ وذلك من أجل تحقيق قيمة مضافة للاقتصاد المصري، وتوفير العملة الصعبة للصناعة المحلية”.
ويفسر نافع مصطلح الاقتصاد الحقيقي: بأنه كل إنتاج سلعي أو خدمي أو صناعي أو زراعي يقدم في مصر ويحقق عائدات هو اقتصاد حقيقي، شرط أن يكون في إطار الدفع بعجلة الإنتاج المصري.
وحول رؤية الخروج من أزمة توفير العملة الصعبة للوفاء بإلتزامات الدين الخارجي، قال “نافع”:” هناك خطة واضحة للحكومة المصرية، تتعلق بإجراءات “الإحلال محل الواردات” والإتجاه نحو التصدير، مما يساهم في خفض استخدام العملة الأجنبية، ووفرتها في دفع عجلة الإنتاج المحلي للتصدير”.
وتواجه الحكومة في مصر أزمة عجز مزدوجة على المستويين للدين العام الداخلي- والدين العام الخارجي، ويصب عجز الدين الداخلي على الموزانة العامة للدولة، فيما يصب عجز الدين الخارجي على ميزان المدفوعات، ومن أجل مواجهة هذه الأزمة والتصدي لها، لجأت الحكومة إلي نهج سياسة التقشف الحكومي، وإلغاء الإمتيازات الحكومية.
ويقول “نافع”:” أنه لابد من مواجهة الأزمة الاقتصادية في مصر من خلال خطة زمنية ذات أجل بعيد وآخر قصير، وتتضمن الأخيرة، تقليل الاقتراض الأجنبي الخارجي، لسد العجز في ميزان المدفوعات الخارجي، مما يدعم جهود الحكومة المصرية على الوفاء بإلتزامتها تجاه الدين العام الخارجي، ويمكنها من سداد اقساط الدين وفقًا للجدول الزمني، خاصة وأن هناك العديد من التقارير الدولية تشكك في قدرة الحكومة المصرية على الوفاء بإلتزامتها المالية تجاه سداد الديون.






















