في مثل هذا اليوم، الخامس من سبتمبر عام 1981، أعلن الرئيس الراحل أنور السادات في خطاب أمام البرلمان سلسلة قرارات استثنائية، عُرفت لاحقًا باسم «اعتقالات سبتمبر»، والتي شكّلت أوسع حملة اعتقالات سياسية ودينية وفكرية في تاريخ مصر المعاصر.
لم تقتصر الحملة على المعارضين السياسيين، بل طالت شخصيات من مختلف الأطياف: يساريين، إسلاميين، ليبراليين، مثقفين، وصحفيين، إضافة إلى رجال دين مسلمين ومسيحيين.
خلفية الأحداث
جاءت هذه الاعتقالات في أجواء مشحونة بالتوتر: حيث تصاعدت الاحتجاجات الشعبية ضد اتفاقية «كامب ديفيد»، وزاد التوتر الطائفي بعد أحداث حي الزاوية الحمراء في يونيو 1981 التي شهدت مواجهات بين مسلمين ومسيحيين، وكانت رغبة السادات في إسكات الأصوات المعارضة قبل أشهر من استكمال الانسحاب الإسرائيلي من سيناء في أبريل 1982.

تفاصيل الاعتقالات
بدأت الحملة في 3 سبتمبر 1981 واستمرت حتى يوم 5 من الشهر نفسه، وأعلن النظام اعتقال 1,536 شخصًا، بينما تشير مصادر أخرى إلى أن العدد الحقيقي تجاوز 3,000 معتقل، فالاعتقالات شملت قيادات حزبية وسياسية، مثقفين، صحفيين، وقيادات إسلامية ومسيحية.
من أبرز الشخصيات التي شملتها الحملة

محمد حسنين هيكل، الكاتب الصحفي، كان قد دخل في خلاف حاد مع السادات بعد أن انتقده علنًا بسبب سياساته الداخلية واتفاقية «كامب ديفيد»، واعتُقل هيكل في سابقة صادمة، حيث كان يعدّ «شاهد من شواهد العصر» على السياسة المصرية منذ عهد عبد الناصر.
البابا شنودة الثالث، بطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، اتخذ السادات قرارًا بعزله من منصبه رسميًا وإقامته الجبرية في دير وادي النطرون، بعد أن وجه له اتهامات بالتحريض على الفتنة الطائفية إثر أحداث الزاوية الحمراء، وكان ذلك القرار بمثابة زلزال داخل المجتمع القبطي، وترك جرحًا عميقًا في علاقة الكنيسة بالدولة لسنوات طويلة.
عمر التلمساني، المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين في تلك الفترة، اعتقاله عكس توجه النظام لتوسيع دائرة الاستهداف لتشمل التيار الإسلامي بأكمله، بالرغم من أن الإخوان كانوا في مرحلة إعادة بناء سلمية بعد عقود من القمع.
نوال السعداوي، الطبيبة والكاتبة والناشطة النسوية، اعتُقلت بسبب مقالاتها الجريئة وانتقاداتها العلنية لسياسات السادات، وكانت وقتها من الأصوات النسوية القليلة التي تخاطب المجتمع بشكل مباشر حول قضايا المرأة والحريات.
فريدة النقاش وصافيناز كاظم، كاتبتان وصحفيتان، الأولى محسوبة على اليسار المصري وارتبط اسمها بالدفاع عن العدالة الاجتماعية وحقوق المرأة، أما الثانية فكانت معروفة بكتاباتها الثورية ونقدها للسلطة، اعتقالهما كشف استهداف السادات للمثقفين المستقلين مهما كانت توجهاتهم.
عبد العظيم أبو العطا، وزير الإسكان الأسبق، اعتُقل ضمن قائمة طويلة من المسؤولين والسياسيين السابقين الذين اختلفوا مع سياسات السادات.
فؤاد سراج الدين، زعيم حزب الوفد التاريخي وأحد أبرز رموز الحركة الوطنية، اعتقاله كان ضربة قوية للمعارضة الليبرالية.
فتحي رضوان، وزير الإرشاد الأسبق وزعيم سياسي قومي، اشتهر بمواقفه المعارضة للسلطة منذ عهد عبد الناصر، وكان من الأصوات الرافضة لسياسة الانفتاح.
الإجراءات الموازية لحملة الاعتقالات
لم تقتصر حملة سبتمبر 1981 على اعتقال المئات من رموز المعارضة السياسية والفكرية والدينية، بل رافقتها سلسلة من القرارات والإجراءات الاستثنائية التي استهدفت المؤسسات الإعلامية والدينية والتعليمية، بهدف قطع الطريق أمام أي صوت ناقد.
إغلاق الصحف والمجلات المعارضة:
أصدر السادات أوامر مباشرة بوقف عدد من الصحف والمجلات ذات التأثير الواسع، منها:
– مجلة الدعوة
– مجلة الاعتصام
– جريدة الشعب
– مجلة الكرازة
إغلاق هذه المنابر الإعلامية مثّل محاولة واضحة لإسكات أي خطاب بديل عن خطاب الدولة الرسمي.
حل جماعات إسلامية ومسيحية:

لم تقتصر قرارات سبتمبر 1981 على الأفراد فقط، بل امتدت إلى تفكيك كيانات دينية كاملة، فقد أعلن السادات تجميد نشاط عدد من الجمعيات الإسلامية الخيرية والثقافية، بدعوى أنها تحولت إلى غطاء للعمل السياسي والدعوي ضد الدولة، وشمل القرار أيضًا إلغاء الاعتراف ببعض الهيئات الكنسية الأرثوذكسية والكاثوليكية، ومن بينها جمعيات كانت تدير مدارس ومستشفيات ومراكز ثقافية.
هذه الخطوة وُصفت وقتها بأنها الأكثر جرأة في علاقة الدولة بالدين منذ ثورة يوليو، إذ سعى السادات إلى نزع الشرعية عن أي مؤسسة دينية يمكن أن تمثل مركز قوة مستقل، سواء داخل الكنيسة أو بين الجماعات الإسلامية.
تغييرات في الإعلام والتعليم
في موازاة الاعتقالات والحملات على الجمعيات، شهد قطاعا الإعلام والتعليم هزّة غير مسبوقة، حيث أصدر النظام قرارات بنقل عشرات الصحفيين من المؤسسات القومية الكبرى مثل الأهرام والأخبار والجمهورية، كان أبرزهم صحفيون بارزون عرفوا بانتقاداتهم لسياسات السادات الاقتصادية والسياسية.
بعضهم أُحيل إلى وظائف إدارية بلا تأثير، في خطوة وصفها العاملون وقتها بأنها «إبعاد قسري» لإفساح المجال أمام أصوات الموالاة.
لكن الأمر لم يقف عند الإعلام، فقد طالت الإجراءات الجامعات المصرية، حيث تم عزل أساتذة ذوي توجهات فكرية معارضة، ونقل آخرين من مواقعهم الأكاديمية إلى أعمال إدارية.
هذه الإجراءات خلقت أجواء خانقة، إذ شعر كثير من المثقفين والطلاب والصحفيين أن المجال العام لم يعد يحتمل أي درجة من التنوع أو النقد، وأن الدولة قررت تحويل المؤسسات الفكرية والإعلامية إلى مجرد «أذرع ناطقة باسمها».
خطاب السادات (5 سبتمبر 1981)
ألقى السادات خطابًا أمام البرلمان برر فيه الاعتقالات استنادًا إلى المادة 74 من الدستور التي تتيح له اتخاذ إجراءات استثنائية لحماية الأمن القومي، وهاجم فيه رموز المعارضة من مختلف الاتجاهات، واتهمهم بالعمل على «تمزيق وحدة الوطن»، وأعلن رسميًا سحب اعتراف الدولة بالبابا شنودة وتعيين لجنة أساقفة لإدارة الكنيسة.

ما بعد السادات
بعد تولي الرئيس حسني مبارك الحكم، بدأ الإفراج التدريجي عن معتقلي سبتمبر، وكان آخر من أُطلق سراحه كان البابا شنودة الثالث، وذلك في يناير 1985، وتركت الاعتقالات أثرًا عميقًا في الحياة السياسية، ورسخت صورة السادات كزعيم استبدادي في سنوات حكمه الأخيرة.

إرث اعتقالات سبتمبر
تُوصف الاعتقالات بأنها أكبر حملة قمع سياسي في تاريخ مصر الحديث، حيث مثلت نقطة تحول فارقة مهدت لاغتيال السادات، ولكنها بقيت ذكرى مؤلمة في وجدان السياسيين والمثقفين ورجال الدين الذين عاشوا التجربة، وما زالت حتى اليوم تُستعاد في النقاشات كرمز لفشل الحكم الفردي وتغوّل السلطة التنفيذية على الحريات.





















