“إن كنت تريد وتجرؤ، فلا تتردد أبدًا بالتصرف عندما يجتاحك شعور الظلم”.
-درية شفيق
يمكن القول إن درية شفيق هي المعادل المصري للناشطة النسوية البريطانية، إيميلين بانكهرست، مع احتفاظها بشخصيتها الخاصة وهويتها المستقلة.
ظلت درية لعقود بعيدة عن الأضواء، لم تنل نفس الشهرة التي نالتها نسويات مثل هدى الشعراوي مثلًا، وذلك لمواقفها السياسية التي أدت إلى تهميشها من قبل عبد الناصر طويلًا.

حياة مبكرة
وُلدت درية شفيق في 14 ديسمبر من العام 1908 في طنطا. قضت سنواتها الأولى في المنصورة، حيث عمل والدها، ومن ثم انتقلت للعيش مع جدتها في طنطا لتلتحق بمدرسة نوتردام الفرنسية.
توفيت والدة درية أثناء ولادة إحدى أخواتها، وكان عمر درية وقتها 12 عام فقط. وبسبب عدم إنجاب الأم للذكور، فقدت حقها في توريث بناتها من أملاكها بعد موتها.
بعد وفاة والدتها غادرت درية مدرستها لتعيش في الإسكندرية مع والدها، وشقيقاتها. لم يكن هناك مدرسة ثانوية للبنات، ولم يستطع والدها تحمل نفقات إرسالها إلى إحدى المدارس الداخلية؛ إلا أنه كان واثقًا من موهبتها الاستثنائية وذكائها، لذا تعلمت من خلال معلمين خاصين، ساعدوها على اجتياز امتحان الثانوية الفرنسي.
أرسلت درية ضمن أول فوج من الطالبات من قبل وزارة المعارف المصرية، للدراسة في جامعة السوربون في باريس على نفقة الدولة، وهي نفس الجامعة التي حصلت منها على درجة الدكتوراه في الفلسفة عام 1940. في باريس التقت درية بنور الدين رجائي الذي كان يدرس هناك بمنحة دراسية أيضًا، وتزوجا عام 1937 بعد أن أتما دراستهما.
بعد موت هدى الشعراوي
كانت درية من أشد المعجبين بهدى الشعراوي الناشطة النسوية الأولى في مصر، ورئيسة اتحاد النساء المصريات، والتي جاءت وفاتها في نهاية عام 1947، لتعطى درية شفيق مجالًا جديدًا سمح لها بملء المكان الشاغر للقائدة النسوية، ومحفزًا لها لتولي القيادة في النضال النسوي المصري من أجل حصول النساء على حقوق سياسية كاملة.
عندما عادت درية شفيق من فرنسا برفقة زوجها، رفض عميد كلية الآداب بجامعة القاهرة آنذاك تعيينها في الجامعة كونها امرأة. فعرضت عليها الأميرة شويكار منصب رئاسة مجلة المرأة الجديدة التي تصدرها، لكنها لم تستمر في منصبها طويلًا فأصدرت مجلة بنت النيل، والتي كانت أول مجلة نسائية ناطقة بالعربية، وموجهة لتعليم وتثقيف النساء المصريات.
أسست درية سنة 1948 حركة للتحرر الكامل لنساء مصر، عرفت باتحاد بنت النيل، ودعت لمؤتمرين صحفيين أحدهما بالفرنسية، والآخر بالعربية للإعلان عن تشكيل الاتحاد.

افتتحت درية المؤتمر بالفرنسية بالعبارة التالية: “إن الأمر الذى لا يستوي تحرير مصر بدونه، هو تحرير المرأة”، مؤكدة أن ما تعنيه هو تخليص النساء من العبودية للرجال. وعندما سئلت عن نوع العبودية الذى تعنيه أجابت: “أسوأها، تلك التي تعتبر النساء مخلوقات دونية”.

نحن هنا بقوة حقنا
في فبراير 1951 جمعت شفيق 1500 امرأة في قاعة محاضرات الجامعة الأمريكية بالقاهرة فيما وصفته “بمؤتمر نسوي”. لكنه لم يكن سوى حيلة لخداع الشرطة.
ثم أعلنت قائلة: “اجتماعنا اليوم ليس مؤتمرًا بل برلمانًا. برلمان حقيقي! للنساء”.
قادت درية مظاهرة برفقة 1500 امرأة، اقتحمت بها مقر البرلمان المصري، لتجذب نظر المجلس، ورئيسه إلى قضايا، ومطالب النساء المصريات، خاصة إعطاء المصريات الحق في الانتخاب، وتعتبر هذه اللحظة لحظة تاريخية بالنسبة للحركة النسوية المصرية. إذ قالت درية لأحد الزعماء البرلمانيين، وهو يحاول إيقافهن بلا جدوى: “نحن هنا بقوة حقنا”.

أغلقت مظاهراتها البرلمان لأكثر من أربع ساعات، حتى تعهّد رئيس المجلس الأعلى بالنظر في مطالبهن الرئيسية: حق النساء في التصويت، وتولّي المناصب، لكنه لم يتطرّق إلى مطالبهن الأخرى، كالمساواة في الأجور، وإصلاح قوانين الزواج والطلاق. بعد أسبوع من المظاهرة عرض على المجلس قانون ينص على منح المصريات الحق في الانتخاب، والترشح للبرلمان.
عندما كان المصريون يحاولون الاستقلال عن بريطانيا، بدأت درية وحدةً شبه عسكرية بزي موحّد من حركة بنات النيل، وفي يناير من العام 1952، قادت فرقة من للإحاطة بأحد فروع مصرف باركليز، وإغلاقه، معتبرين أنه رمز للحكم الاستعماري البريطاني.

بعد 1952، وأثناء إعداد لجنة من قبل الحكومة الجديدة لوضع دستور آخر لمصر سنة 1954، احتجت درية لعدم وجود امرأة واحدة من بين أعضاء اللجنة، وأضربت عن الطعام برفقة نساء أخريات لمدة 10 أيام.
وفقًا لتقرير صحيفة نيويورك تايمز كتبت درية في رسالة إلى الحزب الحاكم وقتها: “نحن مقتنعات بأن النساء اللواتي يشكّلن أكثر من نصف الشعب المصري يجب ألا يحكمهن بدستور لم يشاركن في كتابته بأي ثمن”.

حينها وعدها الرئيس محمد نجيب في رسالة نقلها إليها محافظ القاهرة بأن الدستور المصري الجديد “سيكفل للمرأة حقها السياسي”، وبعدها منحت النساء المصريات حق التصويت، والترشح في الانتخابات العامة لأول مرة في تاريخ مصر الحديث.

كيف اختفت درية شفيق؟
كانت نهاية نشاطها النسوي والسياسي هو إضرابها عن الطعام، حين اعتصمت في السفارة الهندية، وقد نددت درية وقتها “بديكتاتورية” جمال عبد الناصر.
آنذاك هاجمتها وسائل الإعلام الناصرية متهمة إياها بالخيانة. وانقلب حلفاؤها عليها، وطُردت من حركة بنات النيل التي أنشأتها. وكانت الضربة الأخيرة حيت وضعها عبدالناصر رهن الإقامة الجبرية لمدة 18 عام، لتعيش في عزلة إلى نهاية حياتها.

بعد عقد من الزمان سجن عبد الناصر زوجها أشهرًا للاشتباه في قيامه بأعمال تخريب لا علاقة له بها، وتم وضعه ضمن القائمة السوداء في مصر، ثم أُجبر على السفر إلى الخارج ليواصل عمله، وانفصل عن درية. نهائيا عام 1967، أكمل عزلتها، إلى أن انتحرت في سبتمبر من سنة 1975 ملقية بنفسها من شرفة منزلها.
كتبت المصرية النسوية فاطمة عبد الخالق في صحيفة الأهرام الحكومية عقب انتحار درية: “ظهرت درية شفيق عام 1957 لتخبرنا بأننا كنا في طريقنا إلى الديكتاتورية. لكننا كنا شديدي الغباء”.





















